وإن كانت طريقتنا هذه التي سلكناها غير مفتقرة إلى شيء من ذلك، لكن إتباع المشايخ أولى
[ ٥٨ ]
منها ما روي عن النبي ﷺ، أنه قال:" من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه خمسين حسنة أما أني لا أقول: الم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف "١.
وروي عن النبي ﷺ، أنه قال:" لا يعذب الله قلبًا وعى القرآن "٢ وروي
عن علي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال:" إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك "٣.
وروي عن ابن مسعود أنه قال:" تعاهدوا هذا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها "٤. وروي عنه أيضًا، أنه قال: أقرأني رسول الله ﷺ آية، فأثبتها في مصحفي، فلما كان الليلة، جئت أقرأها، فلم أقدر على قراءتها، فعدت إلى المصحف فوجدت مكان الآية أبيض، فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ، فقال:"أما علمت أنها رفعت البارحة؟ "٥.
_________________
(١) ١لم أقف عليه بهذا اللفظ، والروايات الأخرى بعضها عند الترمذي، والطبراني في"الأوسط" والبيهقي في"شعب الإيمان" ولا يصح منها شيء. ٢ رواه البخاري في"خلق أفعال العباد" (ص:٨٧) والدرامي (٢٣١٩) وابن أبي شيبة (٣٠٠٧٩) و(٣٤٧٣٢) من حديث أبي أمامة. قال الحافظ ابن حجر: وأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة. فذكره."الفتح" (٩/٧٩) . ٣ رواه أبو نعيم في"الحلية" (٤/٢٩٦) والبيهقي في"الشعب" (٢١١٩) وهو ضعيف لانقطاعه قال الحافظ ابن حجر: حديث علي"إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك" رواه أبو نعيم ووقفه ابن ماجه، ورواه أبو مسلم الكجي في"السنن"وأبو نعيم من حديث الوجهين وفي إسناده مندل وهو ضعيف."تلخيص الحبير" (١/٧٠) . ٤ رواه البخاري (٥٠٣٢) ومسلم (٧٩٠) . ٥ رواه الطحاوي في" مشكل الآثار" (٢/٤١٨) .
[ ٥٩ ]
وعنه أيضًا أنه قال:"اقرءوا القرآن قبل أن لا تقدروا على آية منه". قيل وكيف ذلك يابن مسعود ونحن نعلمه أبنائنا وأبناؤنا يعلمونه أبنائهم. قال: يسري عليه في ليلة واحدة فينسخ من صدور الرجال ومن المصاحف، فيصبح الناس كالبهائم لا يقدرون على آية منه"١.
وعن أبي هريرة أنه قال:"يسري على القرآن في ليلة واحدة، فلا يصبح في الأرض منه آية واحدة".
وفي حديث آخر:"يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسري عليه في ليلة فلا يبقى في قلب ولا ورقة
منه حرف واحد"٢
وفي حديث آخر:"ليرفعن القرآن من صدور الرجال ومصاحفهن".
وروي عن النبي ﷺ، أنه كان يعرض نفسه في الموسم ويقول:" هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "٣.
وروي عنه، أنه قال:" لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله
_________________
(١) ١ رواه البخاري في" خلق أفعال العباد" (٣٦٧) والدرامي (٣٣٤١) وابن جرير في"تفسيره" (١٥/١٥٨) وسعيد بن منصور (٩٧) ونعيم في" الفتن" (١٦٠٩) وابن أبي شيبة (٣٠١٩٣) وعبد الرزاق (٥٩٨٠) والبيهقي" الكبرى" (١٨٦٩) وابن المبارك في" الزهد" (٨٠٣) والحميدي (٣٦٨) بأسانيد ضعيفة. ٢ رواه الطبراني في" الأوسط" (٧٥٤١) وابن عساكر في"تاريخ دمشق" (٦٢/٤٤) . قال الهيثمي: رواه الطبراني في" الأوسط" وفيه عيسى بن ميمون الواسطي وهو متروك وقد وثقه حماد بن سلمة."مجمع الزوائد" (١/١٥٠) . ٣ رواه أبو داود (٤٧٣٤) والترمذي (٢٩٢٥) وابن ماجه (٢٠١) والدرامي (٣٣٥٤) وأحمد (١٤٧٧٠) والنسائي في"الكبرى" (٧٧٢٧) وابن أبي شيبة (٨/٤٤٧)، والطبراني في"الأوسط" (٦٨٤٧) والحاكم (٤٢٢٠) والبيهقي في"الشعب" (١٦٨) قال الترمذي: هذا حديث غريب صحيح.
[ ٦٠ ]
العدو "١.
وقال الإمام أحمد ﵁: ولم يذكر حبرًا ولا ورقًا.
وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ:" من أدام النظر في المصحف متع في بصره ما بقي في الدنيا، وفضل القراءة في المصحف نظرًا على قراءته ظهرًا- أي حفظًا- كفضل الفريضة على النافلة ".
وعن النبي ﷺ أنه قال:" من قرأ القرآن نظرًا ختمه غرس الله له به في الجنة " الحديث بطوله.
وعن النبي ﷺ، أنه قال:" خذوا القرآن عن أبي، وابن أم عبد- يعني: ابن مسعود- ومعاذ، وسالم "٢.
وروى عطية بن قيس قال: ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله من كلامه-يعني: القرآن – ولا رفع إلى الله كلام أحب إليه من كلامه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال:" إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب "٣.
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ [العنكبوت:٤٩] .
فعلم بمجموع ما ذكرناه أن معتقد الصحابة والتابعين ما اعتقدنا ومذهبهم ما ذهبنا إليه ونصرناه.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٢٩٩٠) ومسلم (١٨٦٩) . ٢ رواه البخاري (٣٥٩٧) و(٤٧١٣) ومسلم (٢٤٦٤) . ٣ رواه الترمذي (٢٩٣١) وأحمد (١٩٤٧) والدرامي (٣٣٠٦) والحاكم (٢٠٣٧) وأبو نعيم في" الحلية" (٩/٢٣٢) والبيهقي في"الشعب" (١٩٤٣) والضياء في"المختارة" (٥٢٥) و(٥٢٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٦١ ]
وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه قال:" لعن الله المشبهة والمعطلة. فقيل له: من المشبهة؟ قال: الذين يقولون يد كيدي وبصر كبصري".
ونقل عنه: أنه قال: من شبه الله بخلقه فهو كافر بالله العظيم.
وروي عنه أنه قال: مذهبنا بين مذهبين وهدى بين ضلالتين، إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والأدوات، لا نغالي في الصفات فنجعلها أجسامًا فنشبه١ الله بخلقه تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، ولا نقصر فنمحوا٢ عنه ما أثبته لنفسه بل نقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا.
قال النبي ﷺ:" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم "٣ فالتشبيه زيغ وضلال، والتعطيل كفر وإبطال، والوقوف مع السلامة أسلم.
والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
وروى يونس بن عبد الأعلى المصري٤ عن إمامنا الشافعي ﵀، أنه قال: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ونثبت الصفات التي جاءت٥ بها
_________________
(١) ١ في الأصل فتشبيه. ٢ في الأصل: فيمحو. ٣ رواه الدار مي (٢٠٥) والمروزي في" السنة" (٧٨) ووكيع في"الزهد" (٢١٥) والطبراني في" الكبير" (٨٧٧٠) والبيهقي في" الشعب" (٢٢١٦) وفي" المدخل" (٢٠٤) وأحمد في" الزهد" (١٦٢) وأبو خثيمة في"العلم" (٥٤) موقوفًا. قلت صححه العلامة الألباني ﵀. ٤ هو: يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان، الإمام، شيخ الإسلام، أبو موسى الصدفي، المصري المقرئ الحافظ، أمه فليحة بنت أبان التجيبية، ولد سنة سبعين ومائة في ذي الحجة. قال يحيى بن حسان التنيسي: يونسكم هذا ركن من أركان الإسلام. توفي سنة (٢٦٤هـ) ." سير أعلام النبلاء" (١٠/٢٤٨-٢٤٩) . ٥ ليس بالأصل.
[ ٦٢ ]
السنة، وننفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه فقال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنحن نصف ولا نشبه. ونثبت ولا نجسم، ونعرف ولا نكيف. مذهبنا بين باطلين، وهدي بين ضلالتين، وسنة بين بدعتين وقد تفرد الله ﷾ بحقائق صفاته ومعانيها عن العالم فنحن بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون.
فانظروا – رحمكم الله- إلى لفظ هذين الإمامين وكيف اتحدا واتفقا والتبري ما ورائه أحرى.
اعلم أن القراءة هي المقروء بدليل بحث لغوي مرجعه إلى أرباب اللغة. وقد جعلوهما بمعنى واحد.
قال ابن قتيبة١ في كتاب اللفظ: العرب تسمي القراءة قرآن قال الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
أي: قراءة.
قال أبو عبيدة٢: يقال قرأه قراءة وقرآنًا بمعنى واحد يجعلهما مصدرين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُود ًا﴾ [سورةالإسراء:٧٨] وإذاكانتاالقراءة.
_________________
(١) ١ هو: ابن قتيبة، العلامة الكبير، ذو الفنون، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدنيوري، قيل: المروزي، الكاتب صاحب التصانيف. نزل بغداد، وصنف وجمع، وبعد. فمن تصانيفه: غريب القرآن، المعارف، مشكل القرآن، مشكل الحديث، أدب الكاتب. غيرها كثير. توفي سنة (٢٧٦هـ) "السير" (١٠/٦٢٥-٦٢٦) . ٢ هو: أبو عبيدة الإمام العلامة البحر، أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري، النحوي، صاحب التصانيف. ولد في سنة عشر ومائة، في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري، وتوفي سنة" ٢٠٩أو٢١٠هـ""السير" (٨/٢٨٧) .
[ ٦٣ ]
والقرآن بمعنى واحد، فيلزم التسليم.
وقد أجمعنا على أن كلام الله هو القرآن.
وأجمعنا على أن كلام الله غير مخلوق.
فيتعين أن تكون القراءة غير مخلوقة، وقد أجمع أهل العلم على أن من حلف: لا يتكلم بكلام الآدميين: فقرأ القرآن، لأنه لا يحنث، ولو علق به طلاق زوجته لا يقع.
وقد أطلق الله تعالى لفظ القرآن وأراد به القراءة في مواضع:
منها: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ﴾ الآية [الإسراء:٤٥] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨] .
﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤] ﴿الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١-٢] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] .
والمراد بالجميع القراءة.
وكذلك روي عن ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ:" خذوا القرآن عن أبي وعن ابن أم عبد "١.
وقوله ﷺ:" أن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "٢.
_________________
(١) ١ تقدم. ٢ رواه أبو داود (٤٧٣٤) والترمذي (٢٩٢٥) وابن ماجه (٢٠١) والدرامي (٣٢٣٢) وأحمد (١٤٧٧٠) والنسائي" الكبرى" (٧٧٢٥) وابن أبي شيبة (٨/٤٤٧) والحاكم (٤٢٢٠) والطبراني" الأوسط" (٦٨٤٧) والبيهقي"الشعب" (١٦٨) قال الترمذي: هذا حديث غريب صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ٦٤ ]
أي القراءة به والتلاوة.
وأما إن الكتابة هي المكتوب، ففي آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١-٣] ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨] ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٧] ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨﴾ .
يعني هو الكتابة، كما أخبر في صفة نبينا ﷺ حيث قال: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] .
والمراد به الكتابة وهي المودوعة في المصاحف إلى يوم القيامة يتوارثها القراطيس وتتضمنها.
وقد ذكر ابن عرفة في" تاريخه" هذه الأبيات عن أبي بكر الصديق ﵁، يرثي بها النبي ﷺ:
فقدنا الوحي مذ وليت عن وودعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهينًا توارثه القراطيس الكرام
ًافقد أورثتنا قرآنمن الرحمن عليك بها التحية والسلام
في أعلى الجنان صدق من الفردوس طاب بها المقام
وقال ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى*صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨-١٩] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس:١٣] والمراد به الكتابة.
وروي عن الشافعي ﵁ أنه قال:" إذا"١ سمعت من رجل يقول الاسم غير المسمى فاشهدوا عليه بالزندقة.
_________________
(١) ١ ليست بالأصل.
[ ٦٥ ]