أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العظيم على الإطلاق، وتنزيهه وصيانته، وأجمعوا على أن من جحد منه حرفًا مما أجمع عليه. أو زاد حرفًا لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك، فهو كافر
قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض ٣ ﵀: اعلم أن من
_________________
(١) ١٣ القاضي عياض، الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض الحيصبي الأندلسي وثم السبتي المالكي. ولد سنة (٤٧٦هـ) استبحر في العلم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق توفي سنة (٥٤٤هـ) "السير" (٥/٣٧-٣٨) .
[ ٧١ ]
استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه، أو شبه أو جحد حرفًا، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو شك بشيء من ذلك، فهو كافر بإجماع المسلمين. كذلك إن" من جحد التوراة"١ والإنجيل، أو كتب الله المنزلة، أو كفر بها، أو سبها أو استخف بها، فهو كافر.
قال: وقد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار، والمكتوب في المصحف الذي بأيدي المسلمون، مما جمعه الدفتان من أول ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى آخر ﴿الناس﴾ كلام الله ووحيه المنزل على نبيه ﷺ، وإن جميع ما فيه حق، وان من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد عليه حرفًا لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع عليه أنه ليس بقرآن، عامد لكل هذا فهو كافر.
قال أبو عثمان الحذار: جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد بحرف من القرآن كفر، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ٢ القارئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين لها مع ابن مجاهد٣ لقراءته وإقرائه بسواد من الحروف مما ليس في المصحف. وعقدوا عليه للرجوع عنه والتوبة منه سجلا ً أشهد على
_________________
(١) ١ في التبيان: إن جحد. ٢ هو: محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت المعروف بابن شنبوذ، أبو الحسن، مقرئ كثير الحديث، من أهل بغداد، انفرد بشواذ كان يقرأ بها في المحراب، وعلم الوزير ابن مقلة بأمره فأحضره وأحضر بعض القراء فناظروه فنسبهم إلى الجهل وأغلظ للوزير فأمر بضربه، ونفي إلى المدائن وتوفي في بغداد سنة (٣٢٨هـ) . ٣ هو: أحمد بن موسى بن عباس بن مجاهد التميمي البغدادي المعروف بابن مجاهد، مقرئ محدث نحوي. توفي سنة (٣٢٤هـ)
[ ٧٢ ]
نفسه في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة١ سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
وأفتى محمد بن أبي زيد فيمن قال لصبي: لعن الله معلمك وما علمك، وقال: أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن قال يؤدب القائل.
قال: وأما من لعن المصحف فإنه يقتل. هذا آخر كلام القاضي عياض.
فصل
ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه. وأما تفسيره للعالم فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه.
فمن كان من أهل التفسير جامع للأدوات التي تعرف بها معناه، وغلب على ظنه المراد، فسّره إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني والأحكام الخفية والجلية، والعموم والخصوص، والإعراب وغير ذلك، وإن كان ممالا يدرك بالاجتهاد، كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية، فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله.
أما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته، فحرام عليه التفسير.
ولكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله.
ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام:
*فمنهم: من يحتج بآية على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره، مع انه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه.
*ومنهم: من يقصد الدعاء إلى خير ويحتج بآية من غير أن يظهر له دلالة
_________________
(١) ١ هو: محمد بن علي بن الحسين بن مقلة، أبو علي، أديب، شاعر، حسن الخط، من الوزراء، وولد في بغداد سنة (٢٧٢هـ) وولي الخراج في أعمال فارس، توفي سنة (٣٢٨هـ) .
[ ٧٣ ]