وقال أيضًا فيها ما لفظه: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة؛ فإن الله تعالى قد أثنى على أصحاب نبيه - ﷺ - من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله سبحانه: ﴿محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار﴾ الآية [الفتح ٢٩] وقوله تعالى: ﴿لقد ﵁ المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ [الفتح ١٨] .
وفي الصحاح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين «على بن أبي طالب» كرم الله وجهه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها - ﷺ - «أبو بكر وعمر» واتفق أصحاب رسول الله - ﷺ - على بيعة «عثمان» بعد «عمر» رضي الله تعالى عنهما. وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكًا» . وقال - ﷺ -: «عليكم بسنتي وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواخذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» فكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه آجر الخلفاء الراشدين المهديين. وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ودلائل ذلك فضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها. وكذلك نؤمر بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب،
[ ٧٥ ]
وبعضهم كانوا مجتهدين فيه إما مصيبين لهم أجران وإما مثابين على عملهم الصالح مغفور له خطؤهم وما كان لهم من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله تعالى يغفرها لهم إما توبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك فإنهم خير قرون هذه الأمة، انتهى بحروفه.
وقال أيضًا في كتابه (اعتقاد الفرقة الناجية) ما نصه: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد - ﷺ - كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ الآية [الحشر ١٠] . وطاعة النبي - ﷺ - في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أتفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضع عشرة: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به - ﷺ - بل وقد - ﵃ - ورضوا عنه ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله - ﷺ - كالعشرة، و«ثابت بن قيس بن شماس» وغيرهم من الصحابة ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين «علي بن أبي طالب» وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊ «أبو بكر ثم عمر»، ويثلثون «بعثمان»، ويربعون «بعلي» رضي الله تعالى عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما اجتمعت الصحابة على تقديم «عثمان» في البيعة مع أن أهل السنة قد اختلفوا في «عثمان وعلي» بعد اتفاقهم على تقديم «أبي بكر وعمر» ايهما أفضل فقدم قوم «عثمان» وأربعوا «بعلي» وقدم قوم «عليًا»، وقوم
[ ٧٦ ]
توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم «عثمان ثم علي» . وإن كانت هذه المسألة مسألة «عثمان وعلي» رضي الله تعالى عنهما ليست من الأصول التي يضل فيها عند جمهور أهل السنة.
لكن المسألة التي يضل فيها المخالف مسألة الخلافة وذك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - «أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي» - ﵃ - أجمعين. ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله ويتولون أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ويحفظون فيهم وصيته حيث قال يوم غديرخم: «أذكركم الله في أهل بيتي» .
وقال أيضًا «للعباس» عمه وشكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: «والذي نفسي بيده، إن الله اصطفى «إسماعيل» واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» - إلى أن قال - ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون،إما مخطئون مجتهدون وإما مصيبون مجتهدون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ماليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله - ﷺ - إنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به أفضل به من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه وأتى بحسنات تمحوه أو
[ ٧٧ ]
غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها يجتهدون إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا أجر واحد والخطأ مغفور لهم.
ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله تعالى على أيديهم من خوارق العادة من أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سلف الأمم في سورة الكهف وغيره، وعن صدر هذه الأئمة من الصحابة والتابعين وسائر التابعين قرون الأمة وهي موجودة إلى يوم القيامة. انتهى ما هو المقصود منه بحروفه.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ الآية [يوسف ١١٠] ما نصه: وكان أبو بكر أكثر علمًا وإيمانًا من عمر رضي الله تعالى عنهما وإن كان عمر - ﵁ - محدثًا كما جاء في الحديث الصحيح أنه قال - ﷺ -: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر» فهو - ﵁ - المحدث الملهم الذي صرف الله تعالى الحق على لسانه وقلبه. انتهى.
وقال أيضًا في فتاواه: مسألة في رجل قال في «علي بن أبي طالب» - ﵁ - أنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة.
والجواب: أما كون علي - ﵁ - من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين وهو أوضح من أن يحتاج إلى دليل؛ بل هو أفضل أهل البيت، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أراد كساءه على «علي وفاطمة وحسن وحسين» وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» .
وأما الصلاة عليه منفردًا فهذا بناء على أنه: هل يصلي على غير النبي
[ ٧٨ ]
- ﷺ - على وجه الانفراد مثل أن يقول: اللهم - ﷺ - على عمر أو على؟ وتنازع العلماء في ذلك: فمذهب مالك والشافعي وطائفة من الحنابلة أنه لايصلي على غير النبي - ﷺ - منفردًا كما روى ابن عباس أنه قال: لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على النبي - ﷺ - وذهب أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لعمر: صلى الله عليك. وهذا القول أصح وأولى ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كعلي أو غيره بالصلاة عليه مضاهاة للنبي - ﷺ -: بحيث يجعل شعارًا مقرونًا باسمه فهذا هو البدعة والله أعلم. انتهى.
ونقل «السفاريني» عنه أنه قال ما نصه: الكل مقر بأن «معاوية» ليس كفئًا لعلى كرم الله وجهه في الخلافة، ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف على - ﵁ - لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله فإنها كانت معروفة عندهم كإخوانه أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد لكن «سعدًا» قد ترك هذا الأمر وكان قد انحصر في على وفي عثمان رضي الله تعالى عنهما. فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا على - ﵁ -. وإنما وقع ما وقع من الشر بسبب قتل عثمان - ﵁ - ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا، ولم يقاتله على - ﵁ - على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة ولا كانوا يرون أنه يبدأ عليًا بقتال بل لما رأى أن لهؤلاء شوكة وهم خارجون عن طاعته رأى أن يقاتلهم حتى يردوا إلى الواجب وهم رأوا أن عثمان - ﵁ - قتل مظلومًا باتفاق وقتلته في عسكر علي - ﵁ - وهم غالبون لهم شوكة وعلى كرم الله تعالى وجهه لم يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن
[ ٧٩ ]
عثمان فرأوا الآراء الفاسدة أن يبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف. وكان من جهال الفريقين من يظن بالإمامين على وعثمان رضي تعالى عنهما ظنونًا كاذبة منهم من يزعم أن عليًا - ﵁ - أمر بقتل عثمان - ﵁ - وكان علي - ﵁ - يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله ولا راضى بقتله ولم يمالى قتله وهذا معلوم منه بلا ريب رضوان الله تعالى وكان أناس من محبي على ومن مبغضه يشيعون ذلك عنه فمحبوه يقصدون الطعن على عثمان، وأنه كان يستحق القتل وأن عليًا أمر بقتله.
ومبغضوه يقصدون الطعن على علي - ﵁ - وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد الذي صبر نفسه ولم يدفع عنها، ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه وأمثال هذه الأمور التي تنسب إلى المشنعين العثمانية والعلوية وكل من الطائفتين مقر بأن معاوية ليس بكفء لعلى - ﵁ - وقد ولى الخلافة ووقعت له المبايعة لما قتل عثمان فقد جاء الناس يهرعون إليه فقالوا له: نبايعك فمد يدك فلا بد للناس من أمير فقال كرم الله تعالى وجهه: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لأهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًا فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده. انتهى.
ثم ذكر تمام القصة قتل عثمان ومحاربة معاوية لعلي - ﵁ -، ثم فيما قال البخاري في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - جعل ينفض التراب عن «عمار» وهم يبنون المسجد النبوي ويقول: «ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»: قال وجعل عمار يقول: أعوذ بالله تعالى من الفتن. وفي رواية: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية فيدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سره: ومن رضي بقتل عمار - ﵁ -
[ ٨٠ ]
كان حكمه حكمها، أي حم الفئة الباغية التي قتلته ويروى أن «معاوية» تأول ذلك وقال قتله من أخرجه، فألزمه «على» بقوله: فرسول الله - ﷺ - إذن قتل «حمزة» حين أخرجه لقتال المشركين.
قال الشيخ: لا يب أن قول على - ﵁ - عنه هذا هو الصواب انتهى.
فإذا وعيت ما تلوناه عليك تبين لك أن حكاية من رمى الشيخ ابن تيمية باستنقاصه للصحابة ذوي النفوس الزكية كلام ولا أصل له ولا أساس؛ بل هو من عمل من يوسوس في صدور الناس فنعوذ بالله من سر الوسواس الخناس. والحمد لله وحده.
وبه أيضًا تبين للمصنف وكلامنا معه أن ما نسبه الشيخ ابن حجر إلى شيخ الإسلام من سوء الاعتقاد في أكابر الصحابة الكرام لا أصل له. وكذا أغلب ما نسب غليه كما ستقف - إن شاء الله تعالى عليه.