قوله (كابن سينا) - هو كما في تاريخ ابن الوردى وابن خلكان وغيرهما: أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري والده من بلخ وسكن بخارى أيام الأمير نوح ثم تزوج امرأة بقرية أفشنه وبها ولد أبو علي المذكور الملقب بالرئيس وختم القرآن وهو ابن عشر سنين وقرأ الحكمة على أبي عبد الله الناتلي وحل أقليدس والمجسطى والطب وهو ابن ثماني عشرة سنة ثم انتقل من بخارى إلى جرجانية وغيرها ثم اتصل بخدمة مجد الدولة بن بويه بالرى ثم خدم قابوس بن وشمكير ثم قصد علاء الدولة بن كاكوية بأصبهان وتقدم عنده ثم مرض بالصرع والقولنج وترك الحمية ومضى إلى همذان مريضًا ومات بها سنة أربعمائة وثمانية وثلاثين وعمره ثمان وخمسون سنة وكفره حجة الإسلام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) وكفر الفارابي أيضًا.
(قال) في المنقذ من الضلال: إن مجموع ما غلطا فيه من الإلهيات يرجع إلى عشرين أصلًا يجب تكفيرهما في ثلاثة منها وتبديعهما في سبعة عشر.
أما السائل الثلاث فقد خالفها فيها كافة الإسلاميين (الأولى) قالوا: إن الأجساد لا تحشر وأن المثاب والمعاقب هي الأرواح (الثانية) قولهم: أن الله ﷾ يعلم الكليات لا الجزيئات. (الثالثة) قولهم بقدم العالم واعتقاد هذا كفر صريح نعوذ بالله تعالى منه.
(قال) ابن خلكان: ثم إن ابن سينا لما أيس من العافية - على ما فيل - ترك المعداواة واغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان وقيل ما في السجن وولادته كانت سنة ثلثمائة وسبعين - والله تعالى أعلم - وله نحو مائة مصنف منها: كتاب
[ ١٣٨ ]
(الشفاء) في الحكمة والإشارات وفي الطب القانون وغيره وله شعر ومنه القصيدة الشهيرة في الروح وهي:
هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
وستأتي تتمتها في بحث الروح إن شاء الله تعالى.
(قوله: ويزعم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية. الخ) وفي كتاب التهافت للغزالي: أن الفلاسفة زعموا أن نفوس السموات مطلعة على جميع الجزيئات الحادثة في هذا العالم وأن المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات وأنه تنعكس جزيئات العالم بها ثم تعقبه القاضي أبو الوليد بن رشد المالكي بما نصه:
قلت: هذا الذي حكاه لم يقله أحد من الفلاسفة في علمى إلا ابن سينا: أعني أن الأجرام السماوية لاتتخيل فضلا عن أن تتخيل خيالات لا نهاية لها.
والإسكندر يصرح في مقالته المسماة (مبادى الكل) أن هذه الأجرام ليست متخيلة لأن الخيال إنما كان في الحيوان من أجل السلامة وهذه الأجرام لا تخاف الفساد فالخيالات في حقها باطلة وكذلك الحواس - انتهى.
ثم في موضع آخر: وأما ما حكاه في الرؤيا عن الفلاسفة فلا أعلم أحدًا قال به من العلماء القدماء إلا ابن سينا، والذي يقوله القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنما هو عن الله تعالى بتوسط موجود روحاني ليس بجسم وهو واهب العقل الإنساني عندهم الذي يسمونه العقل الفعال وفي الشرع يسمى ملكًا - انتهى وهو مطابق لما نقله أبو العباس ابن تيمية، فلا تغفل.