(قوله: وأبو حامد) هو حجة الإسلام علم الأعلام: محمد بن محمد بن محمد ابن أحمد الغزالي الطوسى الفقيه الشافعي الأصولى ولد سنة خمسين وأربعمائة وتوفي سنة خمسة بالطابران ولم يكن للشافعية في آخر عصره
[ ١٣٩ ]
مثله اشتغل في مبدأ أمره بطوس ثم قدم نيسابور واختلف إلى درس إمام الحرمين أبي المعالى الجويني ثم قدم بغداد وفوض إليه التدريس في النظامية ببغداد وأعجب به أهل العراق ثم ترك جميع ما كان عليه في سنة ثمان وثمانين واربعمائة وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بدمشق مدة يذكر الدروس ثم انتقل إلى بيت المقدس واجتهد بالعبادة ثم قصد مصر وأقام بالاسكندرية مدة ثم عاد إلى وطنه بطوس ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية فاجاب ثم ترك ذلك وعاد إلى وطنه واتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره ووزع أوقاته على وظائف الخير وذكر علاء الدين الصيرفي في كتابه (زاد السالكين): أن القاضي أبا بكر بن العربي قال رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازه وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وقد كنت رأيته ببغداد يحضر دروسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفضلهم ويأخذون عنه بالعلم قال: فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له: يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيرًا لك من هذا؟ قال: فنظر إلى شزرًا وقال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شمس الوصال في مغارب الوصول: [طويل]
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلًا دقيقًا فلم أجد لغزلي نساجًا فكسرت مغزلى
وله التصنيفات الجليلة، منها: الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه وإحياء العلوم: وله في أصل الفقه: المستصفى والمنحول والمنتحل في علم الجدل والتهافت على الفلاسفة ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على أهله وشرح أسماء الله الحسنى المسمى بالمقصد الأسنى ومشكاة
[ ١٤٠ ]
الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القول وغير ذلك وشهرته وشهرتها تغني عن التطويل وقد انتقد عليه غير واحد من العلماء وشنعوا عليه ما حرره في بعض كتبه كما جرت إرادة الله تعالى في الذين خلوا من الفضلاء.
فمن ذلك ما وراه كثير من المؤرخين: أن القاضي عياضًا المالكي صاحب كتاب «الشفاء» كان شديد التعصب للسنة والتمسك بها حتى أمر بإحراق كتب الغزالي لأمر توهمه منها. وقال في «كشف الظنون»: وأول ما دخل إلى المغرب أنكر فيه بعض المغاربة أشياء فصنف (الإملاء في الرد على الإحياء) ثم رأى ذلك المصنف رؤيا ظهرت فيها كرامة الشيخ وصدق نيته فتاب عن ذلك ورجع إلى الاعتقاد في حقه كذا قال المولى أبو الخير وأشار إلى حكاية ابن حرازم التي نقلها ابن السبكي في طبقاته عن الشيخ ياقوت العرشي عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن الشاذلي، وهي أن الشيخ ابن حرازم خرج على أصحابه ومعه كتاب فقال أتعرفون؟ هذا الإحياء. وكان الشيخ المذكور يطعن في الغزالي وينهى عن قراءة الأحياء فكشف لهم الشيخ المذكور عن جسمه فإذا هو مضروب بالسياط وقال: أتاني الغزالي في النوم ودعاني إلى رسول الله - ﷺ - فلما وقفنا بين يديه قال يا رسول الله، هذا يزعم أني أقول عليك ما لم تقل فأمر بضربي فضربت - هكذا نقلها المناوى في طبقاته.
قال أبو الفرج ابن الجوزى: قد جمعت أغلاط الكتاب وسميته (إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء) أشرت إلى بعض ذلك في كتاب (تلبيس إبليس) .
وقال سبطه أبو المظفر: وضعه على مذاهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه فأنكروا عليه ما فيه من الأحاديث التي لم تصح - انتهى. قال المولى أبو الخير وأما الأحاديث التي لم تصح لا ينكر على إيرادها لجوازه في الترغيب والترهيب انتهى.
[ ١٤١ ]