(وأما الحلاج) فهو على ما قال «ابن خلكان»: أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج من أهل البيضاء وهي بلدة بفارس ونشأ بواسطة والعراق وصحب «ابا القاسم الحنيد» وغيره والناس في أمره مختلفون فمنهم من يبالغ في تعظيمه ومنهم من يكفره ورأيت في «مشكاة الأنوار» لأبي حامد الغزالي فصلا طويلا في حاله وقد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر
_________________
(١) (ص. م) أدركته.
[ ٩٩ ]
عنه مثل قوله: أنا الحق: ما في الجبة إلا الله وهذه الإطلاقات التي ينبة السمع عنها وعن ذكرها وحملها على محامل حسنة وأولها. قال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد وجعل هذا مثل قول القائل: [رمل]:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا. اهـ
وقال «شهاب الدين بن أبي عدسة» المتوفى سنة ٨٥٦ في تاريخه «نظم الجمان» ما نصه: قال «الحافظ الذهبي» في «العبر»: إن «الحلاج» سافر إلى الهند وتعلم السحر وحصل له به حال شيطاني وهرب منه الحال الإيماني ثم بدت منه كفريات أباحت دمه وكسرت صنمه واشتبه على الناس السحر بالكرامات فضل به خلق كثير كداب من مضى ومن يكون إلى مقتل الدجال. والمعصوم من عصمه الله تعالى.
وقال أيضًا: قال ناس ساحر فأصابوا، وقال ناس: به مس من جنون فما أبعدوا لأن الذي كان يصد منه لا يصدر عن عاقل إذ ذلك موجب حتفه أو هو كالمصروع او المصاب الذي يخبر بالمغيبات وقال ناس من الأنعام: بل هو رجل عارف ولى لله تعالى، صاحب كرامات فليقل ما شاء فجهلوا من وجهين:
أحدهما أنه ولى. والثاني: أن الولى يقول ما شاء فلن يقول إلا الحق.
قال «الصولى»: جالست «الحلاج» فرأيت جاهلا يتغافل وغبيًا يتباله وفاجرا يتزهد وكان ظاهره أنه ناسك فإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال اعتزل أو التشنيع تشيع أو السنن تسنن. وكان يعرف الشعبذة واليكمياء والتطبب وادعى الربوبية وصار يقول لأصحابه: أنت آدم ولهذا أنت نوح ولهذا أنت محمد ويدعى التناسخ وأن أرواح الأنبياء إليهم.
وقال «ابن الشحنة»: وجدوه يقول: من نظف بيتًا وصلى فيه كذا
[ ١٠٠ ]
وطاف به كذا وتصدق بكذا أغناه عن الحج ونقله عن كتاب للحسن البصري فلم يوجد وقد أفتى العلماء بقتله.
وقال «السلمى» في «تاريخ الصوفية»: «الحلاج» كافر خبيث قتل في ذي القعدة سنة ثلاثمائة وتسع وقد هتك «الخطيب» حاله في «تاريخه» وأوضح أنه كان ساحرًا مموها سيئ الاعتقاد.
(وقال) «القشيري» في «الرسالة» في (باب حفظ قلوب المشايخ): ومن المشهور أن «عمرو بن عثمان» دخل عليه وهو يكتب شيئًا بمكة في أوراق فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال غير واحد: إن علماء بغداد اتفقوا على كفره ثم أجمعوا على قتله وصلبه.
(قلت): وهو أعرف وأعلم بحاله منا وتخطئه واحد أولى من تخطئه إجماع العلماء في ذلك العصر، وأمره إلى الله ﷾ اهـ. بحروفه.
(وقال): الفاضل «ابن الأثير» في تاريخه «الكامل»: وفي سنة ٣٠٩هـ قتل «الحسين بن منصور الحلاج» الصوفى وأحرق وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب ﴿قل هو الله أحد﴾ ويسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما أكلوا وما صنعوا في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول وبالجملة: فالناس اختلفوا فيه اختلافهم في «المسيح ﵇» .
فمن قائل: إنه حل فيه جزء إلهي ويدعى فيه الربوبية.
ومن قائل إنه ولى الله تعالى: وإن الذي يظهر منه جملة كرامات الصالحين.
[ ١٠١ ]
ومن قائل: إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها.
وأما سبب قتله: فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير «حامد بن العباس» أنه أحيا جماعة وأنه يحيى الموتى وأن الجن يخدمونه وأنهم يحضرون عنده بما يشتهى وأنهم قدموه على جماعة من حواشي الخليفة وأن «نصر الحاجب» قد مال إليه غيره فالتمس «حامد» الوزير من «المقتدر بالله» أن يسلم إليه «الحلاج» وأصحابه فدفع عنه «نصر الحاجب» فألح الوزير فأمر «المقتدر» بتسليمه فأخذه وأخذ معه إنسانًا يعرف «بالشموى» وغيره قيل: إنهم يعتقدون أنه إله، فقررهم فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله وأنه يحيى الموتى وقابلوا «الحلاج» على ذلك فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادعى الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجل اعبد الله ﷿ ثم جرى معه قصص يطول شرحها ثم كتب القاضي بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس وأرسل الوزير الفتاوى إلى الخليفة فأذن في قتله فسلم إلى صاحب الشرطة فضرب ألف سوط فما تأوه ثم قطع يده ثم رجله ثم قتل وأحرق بالنار فلما صار رمادًا ألقى في الدجلة ونصب الرأس ببغداد وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب.
فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنه لم يقتل وإنما ألقى شبهه على دابة وأنه يجئ بعد أربعين يومًا.
وبعضهم يقول: لقيته على حمار بطريق النهروان وأنه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر يظنون إني ضربت وقتلت - انتهى باقتصار.
[ ١٠٢ ]