(قوله: كالمعتزلة) اعلم أن أول بدعة ظهرت بدعة القدر وهي أن الإنسان خالق لأفعاله وبدعة الإرجاء وهي أن المعصية لا تضر مع الإيمان. وبدعة التشيع والخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة - ﵃ - موجودون وقد أنكروا على أهلها ثم ظهرت بدعة الاعتزال ولم يزل المسلمون على النهج الأول ولزوم ظاهر السنة وما كان عليه الصحابة إلى أن
[ ١٤٨ ]
حدثت الفتنة بين المسلمين والبغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت المسائل والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشغلوا بالنظر والاستدلال وأخذوا في التبويب والتأصيل فأسس فرقة المعتزلة قواعد الخلاف ونهجت منهج الفرقة والانحراف ونفت الرؤية والصفات وكان أول من اعتزل مجلس الحسن البصري واصل بن عطاء الغزالي رئيس المعتزلة.
قال غير واحد من العلماء: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي وهو أول خلاف حدث في الملة هل هو كافر أو مؤمن؟ فقلت الخوارج: إنه كافر. وقال الجماعة: إنه مؤمن وقالت طائفة: نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين وخلدوه في النار فقال الحسن البصري - ﵁ -: اعتزلوا عنا، فاعتزلوا حلقة الحسن وأصحابه فسموا معتزلة وسموا هم أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد لقولهم بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى ونفى الصفات القديمة عنه وكانا في أيام عبد الملك بن هشام بن عبد الملك.
وقال بعض العلماء: وقف على مجلس الحسن البصري رجل فقال: يا إمام ظهر في هذا الزمان جماعة يكفرون صاحب الكبيرة - يعني بهم الخوارج - وجماعة يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة - يعني المرجئة - فما نعتقده من ذلك؟ فأطرق الحسن مفكرًا في الصواب فبدار واصل بن عطاء بالجواب فقال: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا وقام إلى أسطوانة في المسجد يقرر مذهبه: ويثبت المنزلة بين المنزلتين ويقول: الناس ثلاثة: مؤمن، كافر، ولا مؤمن ولا كافر، وهو صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة فقال له الحسن: اعتزل عنا واصل فسموا المعتزلة لذلك.
[ ١٤٩ ]
ورفيق واصل في الاعتزال وقرينه عمرو بن عبيد المتكلم الزاهد وكان من العلم والعمل والزهد والورع والديانة على جانب عظيم حتى إن الحسن البصري لما سئل عنه أجاب السائل: لقد سألت عنه أجاب السائل لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته إن قام أمر قعد به وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له وإن نهى عن كل شيء كان أترك الناس له ما رأيت ظاهرًا أشبه بباطن ولا باطنًا أشبه بظاهر منه - انتهى.
ويروى أن واصل بن عطاء تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبي ما كان يتكلم بأحسن من هذا وفصاحة واصل مشهورة وكان يلثغ بالراء فكان يجتنبها حتى كأنها ليست من حروف الهجاء.
ثم خلفه الجبائي أبو علي وكان الإمام الأشعري من أصحابه ثم فارقه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ببيان سببه.