وأما الشيعة فهم في الزمن الأول اثنان وعشرون فرقة. وأصول ذلك كله ثلاث فرق: غلاة وإمامية وزيديه، وقد صاروا إلى ذا الآن أكثر من ذلك ولا يعكر هذا على حديث الثلاث وسبعين فرقة كما بين في محله وقد ظهرت في عصرنا - أي في القرن الثالث عشر - فرقة الشيخية المنشعبة من الإمامية وهم أتباع الشيخ أحمد الأحسائي والكشفية وهم أتباع تلميذه كاظم الرشتى الحسينى المتوفى سنة بضع وخمسين بعد المائتين والألف
[ ١٤٣ ]
ومزج مذهب التصوف بالكشف الذي يضحك الأطفال والوحدة التي لا تقبلها عقول كثير من الرجال قال الوالد عليه الرحمة في باب الإشارة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل ٨] ما نصه: وممن زعم الانتظام في سلكهم الكثيفية الملقبون أنفسهم بالكشفية وذكروا من ذلك أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها بل إذا عرض كلامهم في ذلك على الأطفال والمجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخييل وإنا نسأل الله تعالى أن لا يبتلى مسلمًا بمثل ما ابتلاهم وقد عزمت حين رأيت بعض كتبهم كشرح القصيدة الكاظمية التي ألفها بعض معاصرينا منها مما اشتمل على ذلك - على أن أصنع عليها كتابًا لكن لاستغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروح إلا على من سلب منه الإدارك حرفنى عن الكتابة - انتهى ملخصًا.
(قلت): ومن جملة عقائدهم الباطلة وأقوالهم العاطلة ما نقله الوالد قدس سره في تفسير قوله تعالى: ﴿كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾ [القمر ٤٢] من قولهم: إن المراد بالآيات كلها على كرم الله تعالى وجهه فإنه الإمام المبين المذكور في قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في أمام مبين﴾ [يس ١٢] وأنه - ﵁ - ظهر مع موسى ﵇ لفرعون وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الغلوم بمكان فنعوذ بالله تعالى من مثل هذا الهذيان.
ثم تشبعت من الكشفية الفرقة الركنية: وهي المنسوبة لتلميذه كريم خان القاجاري وكذا ظهرت في هذا القرن الفرقة القرتية: وهم أتباع قرة العين وهي امرأة ظهرت في بلاد إيران وتبعها جملة من الشيعة وفرت إلى بغداد وأبقيت بأمر ولى الأمر والي بغداد في دارنا وكنت قد رأيتها وأنا دون البلوغ ثم ذهبت إلى طهران فقتلت بأمر الشاه وكذا الفرقة المعروفة
[ ١٤٤ ]
بالبابية: وهم أتباع محمد حسين وأخيه اللذين ادعيا أنهما الباب واشتهر عنهم أنهم يبيحون المحرمات ويسقطون التكاليف الشرعية وأنهم يدعون الوحى ويظهرون الكتب السماوية وقد تستروا بدعوى الصوفية حتى تبعهم خلق كثير من الشيعة وغيرهم حتى من اليهود والنصارى على ما قيل وهجموا على الشاه وأرادوا قتله فسلم ثم أوقع بهم وأفنى منهم طوائف كثيرة ونفى رئيسهم من بغداد والآن يوجد منهم أفراد متعددة في كثير من البلاد وكذا الفرقة المشهورة بالينجرية وهم اتباع سيد أحمد خان الكشميري الدهلوي وهذه الطائفة قد نبغت في مملكة الهند بعد سنة ألف ومائتين وثلاث وسبعين الهجرية وجهدت الأفكار الأدلة القرآنية وما فيها من وجود الملائكة والجن وأحلت المنخنقة من الحيوان حتى ادعى زعيمها في هذه الأيام الرسالة وفاه بها بعض أفراخه في بعض رسائله نعوذ بالله من الكفر والخذلان! ومرادهم بذلك نصرة الفرقة الضالة في تنفيذ إراداتهم وإبطال الإسلام لكسب الجاه والدول لهم فنسأل الله تعالى أن يحفظنا مما يخزينا يوم التناد ويجعلنا من المتبعين يوم التناد ويجعلنا من المتبعين لهدى سيد العباد - ﷺ -.
وأما الإسماعيلية: ففرقة منها أيضًا ويلقبون بالباطنية لقولهم بباطن الكتاب وأصل دعوتهم مبنية على إبطال الشرائع فإن قومًا من المجوس راموا كسر شوكة الإسلام ولم يمكنهم التصريح بذلك فأخذوا في تأويل الشريعة على وجه يعود إلى قواعد أسلافهم ورئيسهم في ذلك حمدان قرمط.
ومنهم - بل صاحب إظهار دعوتهم - أبو سعيد الجنابي فظهر على البحرين واجتمع عليه جماعة من الأعراب والقرامطة فقوى امرهم ثم قتل أبو سعيد سنة إحدى وثلثمائة وهم إباحية وربما خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة.
وقال الشهاب الخفاجي: القرامطة هم طائفة من الملحدين قال السمعاني في الأنساب: القرمطى - بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم والطاء المهملة:
[ ١٤٥ ]
سبة لطائفة خبيثة وهم من أهل هجر والأحساء وأصلهم رجل من سواد الكوفة يقال له قرامط. وقيل: حمدان بن قرمط وقيل: إنما سموا قرامطة لأن النبي ﵊ رأى عامرًا يمشي وهو من أهل المدينة فقال: إنه ليقرمط في مشيه أي يقارب خطاه ومنه الخط القرمط وعلى هذا فهو عربي وقيل: إنه معرب وأن جدهم كان يسمى كرمد فغيروه فالكاف عجمية مأخوذة من الكرمية وهي الحرارة وهو رجل أحمد العينين من سواد الكوفة وكان ظهوره سنة ثمان وسبعين ومائتين وزعم أنه انتقل إليه كلمة المسيح وجعل الصلاة ركعتين بعد الصبح وركعتين بعد المغرب والصوم يومين بالنيروز والمهرجان ويتأول القرآن ويحرفه وكانت له وقائع وحروب ودعاة وخلفاء وكل ذلك مفصل في تاريخ الكامل والوفيات وغيرهما حتى ظهر منهم سليمان بن الحسين الجباني فعاث في البلاد وافسد ودخل مكة يوم التروية سنة سبع عشرة وثلثمائة في خلافة المقتدر فقتل الحجاج ورماهم بزمزم وقلعه باب الكعبة وأخذ كسوتها وأخذ الحجر الأسود فبقي سنين ثم ردوه مكسورًا فنصب في محله وكانت مدة خروجهم ستًا وثمانين سنة. وقيل: هم أربعة أرادوا إفساد دين الإسلام فقسموا الدنيا أربعة أقسام لكل منهم قسم ولم يتم لهم الأمر ولله سبحانه الحمد.
وفي تاريخ ابن خلدون: أن الإسماعيلية قالوا بإمامة إسماعيل بالنص من أبيه جعفر الصادق ﵄ وفائدة النص عندهم وإن كان مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه ويسمون أيضًا بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور ويسمون أيضًا الملحدة - انتهى. ومن أراد استقصاء هذه المذاهب فعليه بالمطولات لاسيما بالخطط للريزى رحمه الله تعالى.