وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك وإليه أشار «الرافعي» بقوله: ينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب، انتهى.
وقد أطال في هذا المقام وهو لعمري على رأس المخالف أمضى من حسام وقال أيضًا في حاشيته على «الدر المختار» في بحث الإمام أبي حنيفة وذكر مناقبه ورد الطاعنين فيه ما نصه: إن الإمام - ﵁ - لما شاعت فضائله جرت عليه العادة القديمة من إطلاق ألسنة الحاسدين فيه حتى طعنوا في اجتهاده وعقيدته مما هو مبرأ منه قطعًا لقصد أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره كما تكلم بعضهم في مالك وبعضهم في الشافعي وبعضهم في أحمد بل تكلم فرقة في أبي بكر وعمر وفرقة في عثمان وعلى وفرقة كفرت جميع الصحابة [طويل]
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا وللناس قال بالظنون وقيل
وقال الذهبي والعسقلاني: إن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول؛ لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب إذ لحسد لاينجو منه إلا من عصمه الله تعالى.
قال الذهبي: وما علمت أن عصرًا سلم أهله من ذلك إلا عصر النبيين
_________________
(١) جميع (زرب) حظيرة الغنم.
[ ٦٦ ]
عليهم الصلاة والسلام انتهى.
ونحو ذلك ما نقله «الإمام الشعراني» في ميزاته عن «طبقات التاج السبكي» ما نصه: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وألا تنظر إلى كلام بعض الناس فيهم إلا ببرهان واضح ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحًا عما ترى بينهم، فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك. قال: ولا يزال الطالب عندي نبيلًا حتى يخوض فيما جرى بين الأئمة فتلحقه الكآبة وظلمة الوجه فإياك ثم إياك أن تصغي لما وقع بين «أبي حنيفة وسفيان الثوري» أو بين «أحمد بن صالح والشعبي» أو بين «أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي» وهلم جرا إلى الزمان الشيخ «عز الدين ابن عبد السلام»، و«والشيخ تقي الدين بن الصلاح» فإنك إن فعلت إن فعلت ذلك خفت أئمة أعلام ولأقوالهم محامل ربما لم يفهمها غيرهم فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما نسكت عما جرى بين الصحابة - ﵃ - أجمعين.
قال: وكان «الشيخ عز الدين بن عبد السلام» يقول: إذا بلغك أن أحدًا من الأئمة شدد النكير على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفًا على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفًا على أحد ان يفهم من كلامه خلاف مراده لا سيما علم العقائد فإن الكلام في ذلك أشد. انتهى.
مطلب