بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه خاتم المرسلين.
بعقل العالم الأمين، الحجة الثبت، والواثق بنفسه وبعلمه.
وبروح المؤمن المخبت، الصادق المخلص، العف الأمين؛ أخذ: «نعمان بن محمود بن عبد الله، أبو البركات، خير الدين الآلوسي» يناقش (شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الشافعي الهيتمي) فيما آثاره حول (ابن تيمية) من شكوك وريب، واتهامات وافتراءات.
و(نعمان بن محمود) هذا هو الواعظ الفقيه الباحث المولود سنة (١٢٥٢هـ - ١٨٣٦م) وهو من أعلام الأسرة الآلوسية في العراق، ولد ونشأ ببغداد وولي القضاء في بلاد متعددة، منها «الحّلة»، وترك المناصب؛ وزار مصر في طريقه إلى الحج سنة ١٢٩٥هـ.
[ ١ ]
قصد «الآستانة» سنة ١٣٠٠هـ فمكث سنين، وعاد يحمل لقب رئيس المدرسين، فعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي ببغداد (سنة ١٣١٧هـ-١٨٩٩م) .
يقول عنه الأثري: «كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إنشائه، وإنشاؤه أمتن من نظمه، وكان جوادًا وفيًا، زاهدًا، حلو الفاكهة، سمح الخلق» .
ومن كتبه: [جلاء العينين في محاكمة الأحمدين] ابن تيمية وابن حجر، و[الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح] و[غالية المواعظ] و[صادق الفجرين] في علىّ ومعاوية، و[شقائق النعمان] في الرد على بعض معاصريه (١) .
والكتاب الذي نقدمه للقارئ العربي اليوم هو [جلاء العينين، في محاكمة الأحمدين] .
وإذا كان لنا أن ننوه بفضل الكتاب وجدواه، فإن أول ذلك أن نشير إلى تلك الروح النبيلة التي كانت تسود الكتاب في أثناء عرضه للقضية الخطيرة، قضية «اتهام ابن تيمية» لقد التزم (الآلوسي) هذه الروح، حتى في أحرج المواقف، وأعنف الجدال، وأحر الخصومة.
لم يلجأ إلى السباب، والشتم، ولا إلى المهاترة؛ فأعطانا بهذا صورة واضحة الملامح؟، بينة المعالم، عن علمه وفضله ونبله، وسعة أفقه وشمول معرفته.
_________________
(١) نقلنا ترجمة (الآلوسي) هذه عن الجزء التاسع من الأعلام الزركلي ط٣. (وانظر المجلد الثاني ط٤ ص٤٢) ح.
[ ٢ ]
إذ أن (العالم الثبت) لا يلجأ إلى المهاترات، وإنما يلجأ إلى استقامة الدليل واستهانة الحجة، ووضوح البرهان. وهذا ما فعله (الآلوسي) في كتابه هذا.
ويكفيك أن تعلم أنه بالرغم من حب الرجل (لابن تيمية) وإعجابه به، يقابل اتهام (ابن حجر الهيتمي) له بكل تعقل واتزان فأنت تقرأ له في أول الكتاب، وهو بصدد تعريفه بطرفي الخصومة يقول عن (ابن حجر) وهو من هو في عداء ابن تيمية:
«وهو صاحب التأليفات المرضية، والعلوم اللدنية، علامة الأواجر، والبحر الزاخر، ذو التصنيفات التي هي في منهاج التحقيق تحفة الناظر» .
وصاحب التأليفات المرضية هذا هو الذي يقول:
«ابن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله، وأعماه وأصمه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذي بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته، وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم من الشافعية والمالكية، والحنفية» .
«ولم يقتصر اعتراضه على متأخري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر ابن الخطاب - ﵁ -، وعلي بن أبي طالب - ﵁ -، كما يأتي» .
«والحاصل: أنه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمي في كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال، جاهل غال، عامله الله تعالى بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله» .
ولكنه الاعتداد بالنفس. فإن الرجل (الآلوسي) بما عنده من علم،
[ ٣ ]
يثق بأنه سيأتي على بنيان (ابن حجر) من القواعد، فيذروه قاعًا صفصفًا لا نرى فيه عوجًا ولا أمتا وقد فعل.
إإن المنهج الذي ارتضاه (الآلوسي) ﵀! - في كتابه هذا (جلاء العينين) - وهو منهج المناقشة في هدوء، وبدون استعمال الألفاظ النابية - منهج نرتضيه نحن أيضًا بل ندعو إليه، ونحرض عليه. إذ لا يليق بالداعية إلى الحق أن يكون سبابًا، أو فحاشًا، أو شتامًا، ولأننا طولبنا كمسلمين أن نجادل بالتي هي أحسن.
ولكن ليس معنى هذا أن نترحم على الكفرة والملاحدة والخارجين على الله، وعلى آياته. كما فعل الشيخ (الآلوسي) ﵀ في بعض حديثه عن ابن عربي والحلاج وابن سبعين وابن الفارض فإن في ذلك تعظيم لشأنهم نوع تعظيم، وفيه ما فيه من شر ووبال.
هذا ما نأخذه على صاحب الكتاب ﵀ وأثابه؛ ونأخذ عليه أيضًا موقفه من (الحلاج) وشركائه، فإنه يقول:
«وأما قول من قال: إن من اعتقد ولاية الحلاج، وابن الفارض، كفر فليس بجيد منه، لأن إطلاق الكفر على من اعتقد شيئًا محتملًا خطأ» .
ونحن نتساءل ما هي الولاية التي يمكن أن تنسب للحلاج ومن نحا نحوه؟ أهي ولاية الشيطان؟ أم أنها ولاية الله العامة، التي يتولى بها شئون خلقه أجمعين؟ ربما أما أن تكون ولاية الخاصة - لعباده المؤمنين - فهذا ما ننفيه ونسرف في نفيه، ونبالغ في هذا الإسراف.
[ ٤ ]
من هو (الحلاج)؟ إنه القائل: «أنا الحق» و«ما في الجبة إلا الله» ومن هو (ابن الفارض)؟ إنه القائل:
لها صلواتي في المقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ناظر إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة
أما نحن فنقول بكفرهما، بل ونذهب إلى أبعد من هذا فنقول بكفر من يشك في كفرهما. كما روى (الشيخ الآلوسي) عن (المقرى) .
وهذا الذي أخذناه على الشيخ لا يهون من فائدة كتابه، ولا يقلل من جدواه فهو كتاب وسع بين دفتيه ثقافة شاملة، ومعرفة كاملة، وناقش قضية هامة، الناس في حاجة إلى تعرف وجه الحق فيها من زمان، وبخاصة في هذا الزمان!
إن اتهام (ابن تيمية) وهو الرجل المجاهد المناضل، في سبيل الله، وفي سبيل دينه، أمر ينبغي أن يعطي قدرًا كبيرًا جدًا، من العناية والرعاية.
فإن (ابن تيمية) وما ذهب إليه من آراء؛ يعتبر عاملًا هامًا في الثقافة الإسلامية. فإذا ما أراد مريد من الناس (كالهيتمي) - مثلًا - أن يشطب ابن تيمية، من تاريخ الفكر الإسلامي فلا ينبغي أن نتركه يفعل، بل لا بد أن نجادله ونناقشه، ونسرف في مجادلته ومناقشته، حتى يبين وجه الحق، ويثوب غارب الصواب. وخيرًا فعل (الشيخ الآلوسي) فقد أفاد وأجاد، وقد قام بعمل مشكور، في هذا السبيل.
[ ٥ ]
لم يكن (ابن حجر الهيتمي) أول أعداء (ابن تيمية) والناقمين عليه، وأيضًا لم يكن آخرهم. ولم يكن ابن تيمية أول من نال الناس منه. ووقعوا في عرضه، ولن يكون آخرهم. هو خلقٌ بشريٌ قديم، من يوم أن قتل (قابيل) أخاه (هابيل) .
وسيستمر هذا الخلق القديم، مادام هناك بشر، ومادام هناك نوابغ ومادام هناك متفوقون. ولن يضير (ابن تيمية)، ولن يضير غير (ابن تيمية) من العاملين للخير والرشاد والهدى، أن تنطلق حولهم الأكاذيب، ما داموا صادقين وماداموا مخلصين.
لكن من هو (ابن تيمية) هذا؟ هو: (تقي الدين أبو العباس أحمد) يقول عنه (ابن الوردي) «: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» .
ويقول عنه (عماد الدين الواسطي): «فوالله ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علمًا وعملًا وحالًا وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا» .
ويقول عنه (ابن دقيق العيد): «سائر العلوم بين عينيه يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء» .
ويقول (الحافظ المزي): «ما رأيت مثله،؟ ولا رأى هو مثل نفسه» .
أما أبوه: فهو (شهاب الدين أبو أحمد عبد الحليم) .
يقول (الذهبي): «وكان إمامًا محققًا، كثير الفنون، وكان من أنجم الهدى» .
[ ٦ ]
وأما جده: فهو (مجد الدين أبو البركات عهد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر محمد بن الخضر بن علي ابن تيمية) .
يقول عنه (الحافظ عز الدين): «حدث بالحجاز والعراق والشام وحران وصنف ودرس وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء» .
ويقول (الذهبي): «وكان معدم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله، وصنف التصانيف واشتهر اسمه وبعد صيته» .
هذا هو ابن تيمية، وهذا أبوه، وهذا جده، ذرية بعضها من بعض، في العلم والفضل والنبل. ولد ابن تيمية في يوم الإثنين ١٠ من ربيع الأول سنة ٦٦١هـ، وتوفي ليلة الإثنين ٢٩ من ذي القعدة سنة ٧٢٨ هـ. ﵀!
«ما أبقي صديقًا لعمر» كلمة قالها أمير المؤمنين تصور إلى مدى بعيد ما نحن فيه. فالرجل العظيم دائمًا - بما خطه لنفسه من مبادئ ومثل لا تقبل الضيم ولا تقر الهوان يكثر أعداؤه والحاقدون عليه؛ لأنه لا يخادع، ولا يوارب، ولا يتملق. وكذلك كان (ابن تيمية)؛ وكذلك كان الناس معه، لقد عاداه الناس، وكادوا له، وقعدوا له بكل صراط يوعدون ويصدون ويعوقون.
ثم ماذا؟ ثم لقي كل مصرعه، وضاع بين الضجيج، وبقي (ابن تيمية) في تقدير التاريخ، وفي خلد الزمان.
[ ٧ ]
مات شيخ الإسلام، وبكاه خلق كثير، ويكفي أن تعلم أن عدد من صلى عليه حزر بخمسمائة ألف رجل وخمس عشر ألف امرأة.
يقول أحد الذين شهدوا جنازته:
«ولم يتخلف فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس، كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس» .
وهكذا تكون عاقبة المحسنين الطيبين، يجعل الله لهم لسان صدق في الناس.
وصدق الإمام أحمد - ﵁ -، في حديث له مع أعدائه والحاقدين عليه: «قولوا لأهل البدع، بيننا وبينكم الجنائز» .
رضي الله عن (ابن تيمية) .
ورضي الله عن أشياخه الذي أثروا فيه.
وتلاميذه الذين تأثروا به.
فلقد كان دائرة معارف واسعة في الأصول والفقه والتفسير والحديث وشتيت من المعارف والفنون. مما جعل له الصدارة والإمامة. ووضعه بحق في ذلك المركز الجليل الخطير، مشيخة الإسلام.
[ ٨ ]
وبعد:
فهذا هو كتاب (جلاء العينين) بين يديك.
ستجد فيه علمًا غزيرًا، وخيرًا كثيرًا.
سيحدثك عن كل ما تريد وفوق ما تريد.
وسيتركك هادئ النفس مستريح الضمير طيب الوجدان، بما سيقدمه لك من هدى ويقين ونور.
والذي عليك هو أن تقبل عليه، وإقبال الهيم على المورد العذب الصافي، فتعب منه عللًا بعد نهل.
والله يكلؤك، ويرعاك، ويسدد خطاك.
والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات والسلام على نبيه فخر الكائنات،
على السيد صبح المدنى
﵀ وعفا عنه
[ ٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي انتصر لأوليائه المتقين، والصلاة والسلام على أنبيائه المعصومين، لاسيما على فاتحة عين العلماء، وخاتمة الأصفياء، وعلى آله المحفوظين من المعايب، وأصابه الذين اتبعوا الحق فنالوا أحمد المراتب، وعلى من اقتدى بهم من الأئمة الأكارم، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، والمجتهدين والعلماء العاملين من ورثة الرسل الأعاظم.