هم من خلق الله - ﷿ - الذين كلّفوا بعبادته سبحانه، شأنهم في ذلك شأن الإنس، خلقوا للابتلاء فهم داخلون في الخطاب بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)، وهم أجسام عاقلة خفية، يرون الإنس ولا يراهم الإنس إلا بتمثل منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٢)، وهم مجزيّون على أعمالهم، فقد خلقوا لعبادة الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٣)، وقد أرسل الله إليهم رسلا قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
_________________
(١) (من الآية (٢) من سورة الملك.
(٢) (الآية (٢٧) من سورة الأعراف.
(٣) (الآية (٥٦) من سورة الرحمن.
[ ١٦ ]
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٢)، وهم مخاطبون بنبوة نبينا محمد - ﷺ - شأنهم شأن الإنس، قال الله سبحانه تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٣)، قال رسول الله - ﷺ -: (إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر
_________________
(١) (الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٢) (الآية (٢٩) من سورة الأحقاف.
(٣) (الآية (١، ٢) من سورة الجن.
[ ١٧ ]
فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (١)، تلا عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٢)، قال: "نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون" (٣)، فمن الجن مسلمون مؤمنون يعبدون الله - ﷿ -، على ملة نبينا محمد - ﷺ -.
والجن فيهم رحمة لبعضهم البعض، قال رسول الله - ﷺ -: (إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس، والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون) (٤)، ومنهم قرناء لبني آدم، وليسوا مسلمين، إلا قرين رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ -: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ !، قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) (٥)، وليس لهم سلطان على عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (٢٢٣٦) ..
(٢) الآية (٥٧) من سورة الإسراء.
(٣) أخرجه مسلم حديث (٣٠٣٠).
(٤) أخرجه مسلم حديث (٢٧٥٢).
(٥) أخرجه مسلم حديث (٢٨١٤).
[ ١٨ ]
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢)، وقال الله ﷾: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٣)، فلا سبيل إلى السلامة من سلطان الشيطان على الإنسان إلا بالإيمان بالله - ﷿ - واتباع شرعه، والتوكل عليه تعالى في كل الأمور، وقد تكفل رب العزة والجلال لهؤلاء بالحفظ والسلامة.