معلوم أن كل المخلوقات تحتاج إلى ما تقوم به حياتها من غذاء وتزاوج وغير ذلك، وقد جعل الله - ﷿ - من ذلك لكل مخلوق ما يناسبه، فالإنس والجن مكلفون ومقومات الحياة تتشابه بينهم إلى حد كبير، فالجن كالإنس مكلفون بفرائض الإسلام، وهم يعيشون على ظهر الأرض، وليسوا في باطنها كما يعتقد العوام، ويتزاوجون، كالإنس في الحاجة إلى مقومات الحياة فهم يأكلون، قال
_________________
(١) (الآية (١٣) من سورة النجم.
(٢) (أخرجه البخاري (٣٠٦٣).
(٣) (أخرجه مسلم حديث (٢٩٩٦).
[ ٢٧ ]
رسول الله - ﷺ -: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن) (١)، وهم يشربون وغير المسلم منهم يتناول ذلك بشماله، قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) (٢)، واسمع هذه القصة عن حذيفة - ﵁ - قال: "كنا إذا حضرنا مع النبي - ﷺ - طعاما لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله ﷺ، فيضع يده، وإنا حضرنا معه، مرة، طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله - ﷺ - (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها) (٣)، وكذلك قول جابر بن محشي - ﵁ -: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا ورجلٌ يأكل، فلم يُسَمِّ حتى لم يبق من طعامه إلا لقمةٌ، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك النبيّ - ﷺ - ثم قال: (ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله - ﷿ - استقاء ما في بطنه) (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (١٥٠).
(٢) أخرجه مسلم حديث (٢٠١٩).
(٣) أخرجه مسلم حديث (٢٠١٧) ..
(٤) أخرجه أبو داود حديث (٣٧٦٨).
[ ٢٨ ]
هذه من معجزات رسول الله إذ أعلمه الله ذلك الحدث، فالتسمية واجبة، ومن تركها عامدا فقد عصى الله ورسوله.
والجن يطبخون على نار، ولهم آنية وآثار كغيرهم من الإنس، وفيهم علماء، ومنهم جهال، وهم عموما لا يعلمون الغيب قال الله ﷾ في قصة موت سليمان - ﵇ -: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (١)، ويعتريهم ما يعتري الإنس من الخوف والمرض والهرم والموت، إلا إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)، فقد أنظره الله - ﷿ - إلى يوم الوقت المعلوم وبناء على هذا التقارب بين الإنس والجن الخيّرين من الطرفين، فإن للجن المسلمين على الإنس حقوقا منها: اعتبارهم إخوانا لهم كما نطق بذلك رسول الله (فإنه زاد إخوانكم من الجن) (٣)، والمراد أخوة الإيمان بالله تعالى، وهذا يستلزم عدم إيذائهم بأي شكل من الأذى، وكيف يتم لنا ذلك ونحن لا نراهم؟، يتم
_________________
(١) الآية (١٤) من سورة سبأ.
(٢) الآية (٣٦) من سورة الحجر.
(٣) أخرجه مسلم حديث (١٥٠)
[ ٢٩ ]
لنا ذلك بالحرص على التسمية في كل شأن من شؤوننا، فإنها حرز للجن المسلمين من أذى إخوانهم من الإنس، فإذا قال ذلك الإنسان تنحى عنه الجنى وابتعد عن الأذى، وهي أيضا حرز للإنسان المسلم من أذى فسقة الجن ومردة الشياطين، الذين لا يستجيبون لداعي التسمية، قال علقمة ﵀: "أنا سألت ابن مسعود. فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟، قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة. ففقدناه.
فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله - ﷺ -: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) (١) ففي التسمية منافع عظيمة للإنس والجن على حد سواء، ولا يعني هذا أنهم لا يطعمون إلا هذا، فقد ثبت في قصة أبي هريرة - ﵁ - الآتية مع الشيطان الذي قبض عليه وهو يسرق من الطعام، فلعلهم أرادوا مشاركة الإنس في أرزاقهم، فكان جوابه - ﷺ - على نحو
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (١٥٠).
[ ٣٠ ]
ما تقدم، وليس هذا التقارب قاصرا على المسلمين من الإنس والجن، بل الشريرون منهم بينهم تقارب وتعاون على المعصية، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١).