ذكرنا أن الجن خلقهم الله قادرين على التشكل، والتشبه بغيرهم، وهم يشبهون الملائكة من حيث القدرة على
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (١٥١٠).
(٢) أخرجه مسلم المقدمة حديث (٧).
(٣) أخرجه مسلم حديث (١٤٠٣).
[ ٢٣ ]
التشكل في غير الصورة الحقيقية، ويفارقهم الملائكة بأنهم لا يتشبهون بالدواب والهوام، فلا يتشبهون إلا بالصورة الحسنة، ولا يصدر منهم الأذى لغيرهم، على خلاف حال الجن، وقد جاء جبريل - ﵇ - كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: " بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - ﷺ -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله - ﷺ -، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت - قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه - قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال ثم انطلق، فلبثت مليا ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه
[ ٢٤ ]
جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١)، وقد جاء - ﵇ - في صورة حسنة، وقد يأتي الملك في صورة مرتين في صفتين مختلفتين: كما في قصة النفر الثلاثة وذلك "إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو قال البقر: هو شك في ذلك: أن الأبرص والأقرع: قال أحدهما: الإبل، وقال الأخر: البقر - فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملا، وقال يبارك لك فيها. وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (٨) ..
[ ٢٥ ]
بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ عليه في سفري. فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا صيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" (١)، فقد جاء الملك الثلاثة في صورة حسنة، تخالف حال كل منهم، وجاء كلا منهم في المرة الثانية على الحال التي كان عليها كل واحد منهم، وقد يأتي الملك في صورة طائر، كما في قصة شق بطن النبي - ﷺ -، قال - ﷺ -: (فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال الآخر: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني) (٢)، وقد ظهر جبريل - ﵇ - مرتين في صورته الحقيقية، ورآه نبينا
_________________
(١) أخرجه البخاري حديث (٣٤٦٤).
(٢) أخرجه الدارمي، حديث (١٣).
[ ٢٦ ]
محمد - ﷺ - عليها: مرة عند سدرة المنتهى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١)، ومرة ثانية وهو في غار حراء كما في قول عائشة ﵂: "ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإن أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدّ الأفق" (٢)، والملائكة خلقهم الله - ﷿ - من نور، والجان من مارج من نار، وابن آدم من طين، قال رسول الله - ﷺ -: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) (٣)، فسبحان العليم الحكيم، يصنع ما يشاء ويفعل ما يريد.