الجن شعوب وقبائل، مثلهم مثل بني آدم، منهم مؤمنون قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢)، وقالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ (٣)،
وفي المسلمين
_________________
(١) الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٢) الآيتان (١، ٢) من سورة الجن.
(٣) الآية (١٣) من سورة الجن ..
[ ٣١ ]
منهم فساق غير خارجين من الملة، شأنهم شأن فسقة الإنس، الذين يكذبون ويظلمون ويؤذون الآخرين، فيقع منهم الزنى والسرقة ونحو ذلك، قال أبو هريرة - ﵁ -: "وكلني رسول الله - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي - ﷺ -: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك، وسيعود، فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله - ﷺ -: إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ -، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - ﷺ -: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، حتى تختم الآية، فإنك لن
_________________
(١) الآية (٢٥٥) من سورة البقرة ..
[ ٣٢ ]
يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: ما فعل أسيرك البارحة؟، قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ــ وكانوا أحرص شيء على الخيرـ (١)، فقال النبي - ﷺ -: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ !، قال: لا، قال: ذاك شيطان) (٢)، ومنهم المردة الذين فسقوا عن أمر الله - ﷿ - كإبليس وذريته، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٣)، فبذلك الفسوق استحق غضب الله ولعنته إلى يوم الدين،
_________________
(١) من كلام الراوي يريد به أصحاب رسول الله - ﵃ -.
(٢) أخرجه البخاري حديث (٢١٨٧).
(٣) الآية (٥٠) من سورة الكهف.
[ ٣٣ ]
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١)، وهم الشياطين: والشيطان في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، ومن كل شيء، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢)، فجعل من الإنس شياطين مثل الذي جعل من الجن، لاتباعهم الشيطان في رد الحق وتزيين الباطل، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)، ولما ركب عمر بن الخطاب - ﵁ - "برذونا" (٤)، فجعل البرذون يتبختر به، أخذ عمر - ﵁ - يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال: (ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى
_________________
(١) الآية (٧٨) من سورة ص.
(٢) الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٣) الآية (٣) من سورة الحج ..
(٤) البرذون: الدابة، من فصيلة البغال. قال الشاعر: رأيتك إذ جالت بك الخيل جولة وأنت على برذونة غير طائل
[ ٣٤ ]
أنكرت نفسي) (١) وهذا يلفت النظر إلى دقة عمر - ﵁ - في مراقبة أحوال نفسه، وهكذا ينبغي أن يكون كل مسلم دقيقا في مراقبة أحوال النفس، حتى لا تشطن وتخرج عن طاعة الله ورسوله.
وقد سمي المتمرد من كل شيء شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير، وقول القائل: شطنت داري من دارك: أي بعدت.
ومنه قول نابغة بني ذبيان:
نأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بها رهين.
وسمّي إبليس وذريته شياطين لمفارقتهم الملائكة والصالحين من بني آدم، وعدم الطاعة لأمر الله تعالى، وأصبح كل شيطان رجيم: أي ملعون مشتوم، وكل مشتوم بقول رديء أو سب فهو مرجوم، وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو فعل، ومن الرجم بالقول:
قول أبي إبراهيم، لإبراهيم - ﵇ -: ﴿لئن لم تنته لأرجمنك﴾ (٢) وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان: رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته، ورجمه بالشهب، فاتضح أن منهم الأبرار ومنهم الفجار، كما حكى الله قولهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ
_________________
(١) أسنده أبو جعفر الطبري (جامع البيان ١/ ١١١) رجاله ثقات وهشام بن سعد حسن الحديث وهو من رجال مسلم.
(٢) الآية ٤٦ من سورة مريم.
[ ٣٥ ]
أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١)، وهم أصحاب طرائق متعددة وأهواء شتى، فمنهم الصالح، ومنهم غير ذلك المشرك والمبتدع، والفاسق، شأنهم شأن بني آدم، فهم شركاؤهم في التكليف، وقد حكى الله - ﷿ - عنهم ذلك فقال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٢)، فالصالحون من الجن والإنس هم أتباع الرسل، والمفسدون الأشرار من الجن والإنس هم أتباع إبليس ومن نهج نهجه من مردة الجن وفسّاقهم ولذلك قال تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣)، هكذا العصاة من الجن والإنس موعدهم النار.
_________________
(١) الآية (١٤) من سورة الجن.
(٢) الآية (١١) من سورة الجن.
(٣) الآيتان (٦٣، ٦٤) من سورة الإسراء.
[ ٣٦ ]