الملائكة والجن من المخلوقات المغيبة، التى لا تراها أعين بني آدم؛ فهم من عالم الغيب.
والملائكة عباد مكرمون خلقهم الله من نور، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعلم عددهم إلا الله، وكلهم الله سبحانه بوظائف وأعمال مختلفة.
قال تعالى في وصفهم: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ١، وقال: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ٣. وقال ﷺ: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٤.
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٥.
ويجب الإيمان تفصيلًا بمن ورد ذكرهم في الكتاب والسنة من الملائكة بأسمائهم وأعمالهم؛ فأعظمهم جبريل الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب، ينزل به على الأنبياء. وميكائيل الموكل بالقطر والنبات. وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٣٨] . ٢ سورة التحريم، الآية [٦] . ٣ سورة المدثر، الآية [٣١] . ٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢٩٤. ٥ سورة البقرة، الآية [٢٨٥] .
[ ١ / ٣٥٣ ]
فهؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه حياة الإنسان.
وقد كان النبي ﷺ يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة.."١.
ويجب الإيمان إجمالًا بمن لم يرد تعيينه باسمه المخصوص، ولا تعيين نوعه المخصوص٢.
وقد أشار الأمين -﵀- إلى بعض وظائف الملائكة؛ فقال: "الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلف، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ٣؛ فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم؛ كما وقع لقوم صالح"٤.
ثم تطرق -﵀- إلى ذكر الملائكة الموكلين بكتابة أقوال بني آدم، فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٥: "والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان. وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه، ومقعد الآخر عن شماله وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: أي ما ينطق بنطق، ولا يتكلم بكلام ﴿إلاّ لَدَيْهِ﴾: أي: إلا والحال أن عنده رقيبًا؛ أي ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها، شاهدًا عليها، لا يفوته منها شيء. ﴿عَتِيدٌ﴾: أي حاضر، ليس
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٥٣٤. ٢ انظر: إغاثة اللهفان ٢/١٢٧. وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد الصالح العثيمين –مخطوط- ق٣٣. والكواشف الجلية ص٣٦. ٣ سورة النازعات، الآية [٥] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٦١. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٧٤. وذكر هذا الكلام في الشريط رقم [٤]، من سورة الأنعام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ . (سورة الأنعام، الآية [٥]) . ٥ سورة ق، الآية [١٨] .
[ ١ / ٣٥٤ ]
بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٢وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣"٤.
وقد أوضح -﵀- أن كتابة أعمال العباد لا تتعارض مع إحاطة الله بكل شيء علمًا، وإنما ذلك لحكم أرادها الله جل وعلا؛ يقول -﵀-: "إن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، في وقت كتابة الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى؛ كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٥"٦.
وتعرّض -﵀- للخلاف الحاصل في كتابة الحفظة لأقوال العباد؛ هل تشمل المباح، أو تقتصر على ما فيه ثواب وعقاب فقط؛ فذكر للعلماء قولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر؛ فقال: "قال بعضهم٧: يكتب عليه
_________________
(١) ١ سورة الانفطار، الآيتان [١٠-١١] . ٢ سورة الزخرف، الآية [٨٠] . ٣ سورة الجاثية، الآية [٢٨] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٤٨-٦٥٠. ٥ سورة الإسراء، الآيتان [١٣-١٤] . ٦ أضواء البيان ٧/٦٤٨. ٧ قاله أبوالجوزاء، ومجاهد. (انظر الجامع لأحكام القرآن ١٧/٩) . وذكره ابن كثير (في التفسير ٤/٢٢٤)، عن طاوس. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، وشربت، وذهبت، وجئت، ورأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ . [تفسير ابن كثير ٤/٢٢٤] .
[ ١ / ٣٥٥ ]
كل شيء، حتى الأنين في المرض وهذا ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١؛ لأن قوله: ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾: نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة: ﴿مِنْ﴾، فهي نص صريح في العموم. وقال بعض العلماء٢: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب؛ وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب فالذين يقولون لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع: متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلًا، وبعضهم يقولون: يكتب أولًا، ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب وعقاب هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت﴾ الآية٣. والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، قالوا: إن في الآية نعتًا محذوفًا سوغ حذفه العلم به: لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء" ٤.
الجن:
أما الجن: فقد خلقوا من النار، كما قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ ٥.
وهم أمة مكلفة بالعبادة؛ فمنهم المؤمن، والكافر، والعاصي؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالأنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة ق، الآية [١٨] . ٢ قاله عكرمة. [انظر الجامع لأحكام القرآن ١٧/٩] . ٣ سورة الرعد، الآية [٣٩] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٥١. ٥ سورة الحجر، الآية [٢٧] . ٦ سورة الذاريات، الآية [٥٦] . ٧ سورة الأحقاف، الآية [١٨] . ٨ سورة الرحمن، الآية [٤٦] .
[ ١ / ٣٥٦ ]
وهم يأكلون ويشربون ويتناسلون، ولهم ذرية؛ قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ١. وهم يفنون ويموتون مثل الإنس، قال ﷺ: "والجن والإنس يموتون "٢.
وقد اختلف في إبليس؛ هل خلق من جنس الملائكة، أم من الجن؟ فتطرق الشيخ الأمين –﵀- إلى ذكر هذين القولين، مع أدلة كل منهما؛ فقال -﵀-: " وحجة من قال إن أصله ليس من الملائكة أمران؛ أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس، كما قال تعالى عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٤. الثاني: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن من غير الملائكة؛ قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٥، قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص، ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال، لا الانقطاع، قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٦؛ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم؛ كما روى ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة، ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود:
وسخر من جن الملائك تسعة
قياما لديه يعملون بلا أجر
قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٥٠] . ٢ أخرجه البخاري ٨/١٦٧. ٣ سورة التحريم، الآية [٦] . ٤ سورة الأنبياء، الآية [٢٧] . ٥ سورة الحجر، الآية [٣٠] . وسورة ص، الآية [٧٣] . ٦ سورة الكهف، الآية [٥٠] .
[ ١ / ٣٥٧ ]
الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ١، عند من يقول بأن المراد بذلك قولهم: " الملائكة بنات الله، ﷾ عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوًا كبيرًا"٢.
ثم ذكر -﵀- من رجح القول الأول، فقال: "وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، ونصره الزمخشري٣في تفسيره" ٤.
ثم ذكر أيضًا من رجح القول الأخير، فقال: "وقال القرطبي في تفسيره سورة البقرة: إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور؛ ابن عباس وابن مسعود، وابن جريج٥، وابن المسيب٦، وقتادة٧، وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن٨، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله: ﴿إلاّ إِبْلِيسَ﴾ ٩"١٠.
ثم رجح -﵀- أن أصله من الجن فقال: "وأظهر الحجج في المسألة حجة من قال إنه غير ملك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية [١٥٨] . ٢ أضواء البيان ٤/١٢٠. ٣ هو محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم. ولد سنة [٤٦٧؟]، وتوفي سنة [٥٣٨؟] . (انظر البداية والنهاية ١٢/٢٣٥. وشذرات الذهب ٤/١١٩) . ٤ أضواء البيان ٤/١٢٠. ٥ هو الحافظ شيخ الحرم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي. أول من دون العلم بمكة. ولد سنة [٨٠؟]، وتوفي سنة [١٥٠؟] . (انظر: سير أعلام النبلاء ٦/٣٢٥. والبداية والنهاية ١٠/١١٠) . ٦ هو الإمام سعيد بن المسيب بن حزن بن ابي وهب القرشي المخزومي سيد التابعين، وأحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، توفي سنة [٩٤؟] . (انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٢١٧. والبداية والنهاية ٩/١٠٥) . ٧ هو قتادة بن دعامة بن عزيز السدوسي البصري المحدث المفسر. كان من أوعية العلم، وأحد كبار علماء التابعين. توفي سنة [١١٧؟] . (انظر: سير أعلام النبلاء ٥/٢٦٩. والبداية والنهاية ٩/٣٢٥) . ٨ لم أعرفه. ٩ انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/٢٠٢. ١٠ أضواء البيان ٤/١٢٠.
[ ١ / ٣٥٨ ]
فَفَسَق﴾ ١، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما رجحه الشيخ الأمين –﵀- من كون إبليس من الجن هو ما تطمئن النفس إليه؛ لتضافر الأدلة عليه، وقد قال إبليس عن نفسه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣. وجاء في الحديث: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٤؛ فهذا صريح في كونه من الجن، وهو ما رجحه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد قال عن إبليس لعنه الله: "وجعله بعض الناس من الملائكة لدخوله في الأمر بالسجود، وبعضهم من الجن لأن له قبيلًا وذرية، ولكونه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور. والتحقيق: أنه كان منهم باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله"٥.
هل يدخل المؤمنون من الجن الجنة؟
تطرق -﵀- إلى هذه المسألة، وذكر لأهل العلم قولين فيها، ورد على من منع دخولهم الجنة مرجحًا أن المؤمنين من الجن يدخلونها؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٦: "تمسك جماعة من العلماء؛ منهم الإمام أبوحنيفة -رحمه الله تعالى- بظاهر هذه الآية، فقالوا: إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة. مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٧؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٥٠] . ٢ أضواء البيان ٤/١٢١. وانظر المصدر نفسه ٢/٢٩٣. ٣ سورة الأعراف، الآية [١٢] . ٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢٩٤. ٥ مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٣٤٦. ٦ سورة الأحقاف، الآية [٣١] . ٧ سورة الرحمن، الآية [٤٦] .
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَلا جَانٌّ﴾ ١؛ لأنه يشير إلى أن في الجنة جنًا يطمثون النساء كالإنس"٢.
ثم قال -﵀-: "إن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ "٣.
وقال -﵀- أيضًا: وحاصل هذه المسألة: أن الجن مكلفون على لسان نبينا محمد ﷺ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الإيات. وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة، ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين. والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله"٧.
ولا ريب أن ما قاله الشيخ الأمين –﵀- هو الحق في هذه المسألة لما نقله من النصوص الصريحة في دخول مؤمنهم الجنة. ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُو﴾ ٨؛ فهو دليل على ثوابهم وعقابهم. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ
_________________
(١) ١ سورة الرحمن، الآية [٤٧] . ٢ دفع إيهام الاضطراب، الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٦٣. ٣ سورة الرحمن، الآية [٥٦] . ٤ سورة هود، الآية [١١٩] . ٥ سورة الشعراء، الآيتان [٩٤-٩٥] . ٦ سورة الأعراف، الآية [٣٨] . ٧ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٢٦٨. وانظر: أضواء البيان ٧/٤٠١، ٧٥٦، ٧٥٧. ٨ سورة الأحقاف، الآية [١٩] .
[ ١ / ٣٦٠ ]
بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ ١؛ فالله ﷾ يثيب على الإيمان، ويعاقب على الكفر.
وقد نقل شيخ الإسلام عن أكثر أهل العلم أن مؤمن الجن يدخل الجنة، ورجحه، فقال بعد أن ذكر إجماع العلماء على دخول كافرهم النار، وساق الآيات الدالة على ذلك: وأما مؤمنهم فأكثر العلماء على أنهم يدخلون الجنة، وقال طائفة: بل يصيرون ترابًا كالدواب. والأول أصح؛ وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى٢، وأبي يوسف٣، ومحمد٤. ونقل ذلك عن مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أصحابهم"٥.
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآية [١٣] . ٢ هو الإمام أبوعيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. ولد في خلافة الصديق. قتل بوقعة الجماجم سنة [٨٢؟] . (انظر سير أعلام النبلاء ٤/٢٦٢) . ٣ هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي. أنبل تلاميذ أبي حنيفة، توفي سنة [١٨٢هـ] . (انظر سير أعلام النبلاء ٨/٥٣٥. والبداية والنهاية ١٠/١٨٦) . ٤ هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، صاحب أبي حنيفة، توفي سنة [١٨٩؟] . (انظر سير أعلام النبلاء ٩/١٣٤. والبداية والنهاية ١٠/٢١٠) . ٥ النبوات ص٣٩٧. وانظر الفتاوى ٤/٢٣٣، ١١/٣٠٦.
[ ١ / ٣٦١ ]