تعريفه:
هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار١.
ولم أجد للشيخ الأمين -﵀- تعريفًا لهذا النوع، وإنما مفاد كلامه أن الإقرار بتوحيد الربوبية أمر فطري؛ فطر الله عليه الخلق وتعرفه النفوس؛ حيث يقول -﵀-: "هذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية٢، وقال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣ ٤.
فالشيخ -﵀- يؤكد أن القلوب مفطورة على هذا النوع من التوحيد، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَك﴾ ٥وقوله ﷺ: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.." ٦.
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٣. ٢ سورة الزخرف، الآية [٧٨] . ٣ سورة يونس، الآية [٣١] . ٤ أضواء البيان ٣/٤١٠. وانظر: المعين والزاد ص٦٤. ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٠] . ٦ أخرجه البخاري ٢/٩٧. ومسلم ٤/٢٠٤٧.
[ ١ / ٩٩ ]
فالنفوس البشرية فطرت على هذا النوع من التوحيد، لكن لما وردت عليها المؤثرات الخارجية من الشهوات والشبهات خالفت فطرتها السليمة التي جبلها الله عليها.
وقد أوضح الشيخ -﵀- أنّ إنكار هذا النوع من التوحيد إنما هو عناد ومكابرة من عارف؛ فقال -﵀-: "أما تجاهل فرعون –لعنه الله- لربوبيته جلّ وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١فإنه تجاهل عارف؛ لأنه عبدٌ مربوب؛ كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٣ ٤.
وأكد -﵀- أن الإتيان بهذا النوع من التوحيد لايفيد إلا إذا ضم إليه توحيد الألوهية؛ فكفار مكة لم ينفعهم الإقرار بالربوبية، حيث إنهم أشركوا في الألوهية: فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّت﴾ . .إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٥-: صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا هو ربهم الرازق المدبر للأمور، المتصرف في ملكه بما يشاء. وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ومع هذا أشركوا به جل وعلا، والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا –ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآية [٢٣] . ٢ سورة الإسراء، الآية [١٠٢] . ٣ سورة النمل، الآية [١٤] . ٤ أضواء البيان ٢/٤٨٢. وانظر: المصدر نفسه٣/٤١٠،٦/٣٧٤،والمعين والزاد ص٦٥. ٥ سورة يونس، الآية [٣١] .
[ ١ / ١٠٠ ]
وعلا- كثيرة؛ كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣إلى غير ذلك من الآيات، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤. والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا، لايكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى "لا إله إلا الله" نفيًا وإثباتًا٥.
ثم يؤكد -﵀- أن الآيات الدالة على توحيد الربوبية إنما هي إلزام للمشركين أن يوحدوه في العبادة، وأن لايصرفوا شيئًا منها لغيره؛ حيث يقول -﵀-: ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعتراف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده٦.
ثم استدل -﵀- بآيات كثيرة على إقرار الكفار بربوبية الله ﷾، وتوبيخ الله لهم بعد إقرارهم على شركهم في الألوهية؛ فقال -﵀-: "ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فلما
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية [٨٧] . ٢ سورة الزخرف، الآية [٩] . ٣ سورة المؤمنون، الآيات [٨٤-٨٩] . ٤ سورة يوسف، الآية [١٠٦] . ٥ أضواء البيان ٢/٤٨١، ٤٨٢. وانظر: المصدر نفسه ٣/٧٤، ٧٥، ٤١٠، والمعين والزاد ص٦٥. ٦ أضواء البيان ٣/٤١١. وانظر: المصدر نفسه ٥/٨١٣، ٦/٦٢٠.
[ ١ / ١٠١ ]
أقروا بربوبيته وبّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . فلما اعترفوا وبّخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ . ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾، فلما صحّ الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ ٣ ٤.
إلى غير ذلك من الآيات التي استدل بها -﵀- على إقرار الكفار بتوحيد الربوبية، وإلزام الله ﷾ لهم أن يوحدوه بالعبادة.
ثمّ يؤكّد -﵀- أنّ الاستفهامات التي في آيات الربوبية استفهامات تقرير، وليست إنكار؛ فيقول -﵀-:
"إن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا ررتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة: نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٣١] . ٢ سورة المؤمنون، الآيات [٨٤-٨٨] . ٣ سورة الرعد، الآية [١٦] . ٤ أضواء البيان ٣/٤١١-٤١٢. ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٠] .
[ ١ / ١٠٢ ]
وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ ١. وإن زعم بعض العلماء٢ أن هذا استفهام إنكار، لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لاينكرون الربوبية كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه" ٣.
ولاشك أن القوم لم يعرف عنهم إنكارهم للربوبية، وإنما كان انحرافهم في جانب الألوهية؛ وهو الانحراف الذي بعثت الرسل جميعها لتقويمه.
قال الإمام ابن القيم -﵀-: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتجّ الله عليهم به؛ فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية"٤.
وقال ابن أبي العز الحنفي -﵀- عن توحيد الربوبية: "وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضة طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات؛ كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض﴾ ٥ ٦.
فلذلك لم يطل الشيخ -﵀- الكلام على توحيد الربوبية بل نراه٧استدل بدلائل توحيد الربوبية؛ والتي هي الآيات الكونية على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٦٤] . ٢ انظر: فتح القدير ٢/١٨٦. وتفسير المنار ٨/٢٤٥. ٣ أضواء البيان ٣/٤١٤. ٤ إغاثة اللهفان ٢/١٣٥. ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٠] . ٦ شرح العقيدة الطحاوية ص٧٧. ٧ كما سيأتي في الفصل الثاني: (في المطلب الثاني من المبحث الثاني) .
[ ١ / ١٠٣ ]
فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو الغاية من خلق العباد، وترتيب الثواب والعقاب. وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ إذ لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر إلا عند المكابرة، والجحود والإنكار.
[ ١ / ١٠٤ ]