الفصل الخامس: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإيمان بالقدر
القدر لغة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء. والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر١.
وشرعا: ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد. وأن ﷿ قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها٢.
والإيمان بالقدر: أحد أركان الإيمان الستة التي لايتمّ الإيمان إلا بها، كما جاءت في حديث جبريل ﵇ لما سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان، فأجابه: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"٣.
وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية:
فمن الآيات القرآنية: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٤، وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٥.
وقوله جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿مَا
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط ٢/٥٩١. ٢ لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٨. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٧. ٤ سورة القمر، الآية [٤٩] . ٥ سورة الأحزاب، الآية [٣٨] . ٦ سورة الرعد، الآية [٨] .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
ومن الأحاديث النبوية: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لايؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه "٢.
وحديث عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لايؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" ٣. وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " كلّ شيء بقدر، حتى العجز والكيس "٤.
وقد عرض الشيخ الأمين -﵀- عقيدة القدر في ثنايا تفسيره عند كلامه على بعض الآيات المتعلقة بهذا الباب، فذكر بعض مراتب القدر، وتكلم عن أفعال العباد، والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وأقسام الهداية.
وتصدى -﵀- لشبه القدرية النفاة، والجبرية، ففندها وأبطل احتجاجهم بها، وأقام الحجة عليهم مستدلا بالآيات القرآنية، والبراهين العقلية.
ولبيان ذلك كله قسمت هذا الفصل إلى مباحث:
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية [٢٢] . ٢ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٤٥١، وقال: "هذا حديث غريب لانعرفه إلا من حديث عبد الله ابن ميمون، وعبد الله بن ميمون منكر الحديث". والحديث صححه الألباني. (انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٥٦٦) . ٣ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٤٥٢. وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (١/٣٧): "وسنده صحيح. وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي". ٤ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٤٥.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
المبحث الأول: بيانه لمراتب القدر
مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربع، ولايتم إيمان العبد بالقدر إلا بإيمانه بهن:
المرتبة الأولى: العلم: وهي أن يؤمن الإنسان بأن الله بكلّ شيء عليم؛ يعلم ما كان، وما يكون قبل أن يكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
المرتبة الثانية: الكتابة: وهي الإيمان بأنّ الله كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
المرتبة الثالثة: المشيئة: وهي الإيمان بأنه ما وجد من موجود إلا بمشيئة الله تعالى، وما عدم من معدوم إلا بمشيئته تعالى.
المرتبة الرابعة: الخلق: وهي الإيمان بأنّ الله تعالى خالق كلّ شيء؛ فما من موجود في السموات والأرض إلا الله خالقه، حتى الموت خلقه الله وإن كان هو عدم الحياة١.
وقد دلّ القرآن الكريم على هذه المراتب:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ
_________________
(١) ١ انظر شفاء العليل للإمام ابن القيم ص٢٩. والقضاء والقدر للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص٢١-٢٤. ٢ سورة الحج، الآية [٧٠] .
[ ٢ / ٥٣٧ ]
يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
وقد تناول الشيخ الأمين -﵀- بعض هذه المراتب أثناء تفسيره للآيات المتعلقة بالقدر؛ فقد أشار -﵀- إلى مرتبة العلم عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَة﴾ ٣، فقال: "أنّ معنى "كما بدأكم تعودون"؛ أي كما سبق لكم في علم الله من سعادة أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقيّ صار إلى الشقاوة"٤.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥:
"هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكلّ موجود ومعدوم يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون، لو وجد كيف يكون؛ لأنه يعلم أنّ ردّ الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الردّ الذي لا يكون لو وقع كيف يكون) ٦.
وقال -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ ٧:
_________________
(١) ١ سورة التكوير، الآيتان [٢٨-٢٩] . ٢ سورة الملك، الآية [٢] . ٣ سورة الأعراف، الآيتان [٢٩-٣٠] . ٤ أضواء البيان ٢/٢٩٧. ٥ سورة الأنعام، الآية [٢٨] . ٦ أضواء البيان ٢/١٨٨. ٧ سورة البقرة، الآية [١٤٣] .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
"معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ أي علما يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي كونه عالما به قبل وقوعه. وقد أشار تعالى إلى أنه لايستفيد بالاختبار علما جديدا؛ لأنه عالم بما سيكون حيث قال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١؛ فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل على أنه لايفيده الاختبار علما لم يكن يعلمه ﷾ عن ذلك، بل هو تعالى عالم بكلّ ما سيعمله خلقه، وعالم بكلّ شيء قبل وقوعه، كما لاخلاف فيه بين المسلمين ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ٢ الآية٣.
أما مرتبة الكتابة: فقد تحدث عنها الشيخ الأمين -﵀- عند قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٤ فقال: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض، كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار، وفي الأنفس من الأمراض والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس وقبل وجود المصائب"٥.
وقال -﵀- أيضا: "الشقي من كتب عليه الشقاء أزلا عند الله تعالى؛ فإنه جل وعلا قدر مقادير الخلق قبل أن يوجدوا، وصرف مشيئاتهم وأعمالهم إلى ما كتب. ولما سأل بعض أصحاب الرسول ﷺ عن العمل أهو خطة مدبرة قد فرغ منها، أم هو أنف؟ قال صلى الله
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٥٤] . ٢ سورة سبأ، الآية [٣] . ٣ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٢٨. وانظر أضواء البيان ٢/٣٠٣، ٤٩١، ٤/٨٠، ٦/٢٠٧، ٢٧٧، ٧/٥٩١، ٥٩٢. ومعارج الصعود ص٦٧. ٤ سورة الحديد، الآية [٢٢] . ٥ أضواء البيان ٧/٧١٤.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
عليه وسلم: " لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير". قيل له: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كلّ ميسر لما خلق له" ١"٢.
وقال -﵀- أيضا: "فهو سبحانه قد كتب على كلّ واحد من الناس ما هو واقع به من شقاء أو سعادة، وخير أو شرّ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة٣"٤.
أما مرتبة المشيئة: فقد تحدث عنها الشيخ الأمين -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ٥، فقال: "وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ يدلّ على أنّ مايعرض للعبد من غفلة ومعصية إنما هو بمشيئة الله تعالى؛ إذ لايقع شيء البتة كائنا ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية جل وعلا ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه..﴾ الآية٦، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ٧، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ٨، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٩، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِ..﴾ الآية١٠، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ١١، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّ كلّ شيء من خير وشرّ لا يقع إلا بمشيئة خالق السموات والأرض"١٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢٠٤٠-٢٠٤١. ٢ معارج الصعود ص٢٥١. ٣ راجع صحيح مسلم ٤/٢٠٤٢-٢٠٤٤. ٤ معارج الصعود ص٣٠٢. وانظر أضواء البيان ٣/٢٦٨. ٥ سورة الكهف، الآية [٢٨] . ٦ سورة الإنسان، الآية [٣٠] . ٧ سورة الأنعام، الآية [١٠٧] . ٨ سورة السجدة، الآية [١٣] . ٩ سورة الأنعام، الآية [٣٥] . ١٠ سورة البقرة، الآية [٧] . ١١ سورة الأنعام، الآية [٢٥] . ١٢ أضواء البيان ٤/٩٠.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وقال الشيخ الأمين -﵀- أيضا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية١:
"صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعا. وهو دليل واضح على أنّ كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية. وبين ذلك أيضا في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات"٥.
أما مرتبة الخلق: فقد تحدث عنها الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٦؛ فقال: (أي خلقهم لأن يختلفوا إلى مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وشقي وسعيد، ليصرف كلًا إلى ما كتب له في الأزل، ولتظهر فيهم آثار صفات الله تعالى وأسمائه من رحمة ورضا، وثواب للمطيعين، وقهر وجبروت وشدة عذاب للعاصين٧.
وقال أيضا: "ولذلك خلقهم": أي أراد ذلك منهم قدرا عند وجودهم، فوجدوا كما أراد الله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٨ ٩.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٩٩] . ٢ سورة الأنعام، الآية [١٠٧] . ٣ سورة السجدة، الآية [١٣] . ٤ سورة الأنعام، الآية [٣٥] . ٥ أضواء البيان ٢/٤٩٢. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٢١. ٦ سورة هود، الآية [١١٩] . ٧ معارج الصعود ص٣٠٢. ٨ سورة يس، الآية [٨٢] . ٩ معارج الصعود ص٢٠٣. وانظر دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٥٨.
[ ٢ / ٥٤١ ]