المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية
هو أعظم أنواع التوحيد، وأشرفها. وهو متضمن لتوحيد الربوبية، فمن حقق توحيد الألوهية فقد أتى بالتوحيد الذي أراد الله من عباده، واستمسك بحبل الله المتين؛ لأنه المقصد الأعظم من بعثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومحور دعوتهم جميعًا.
وقد حرص الشيخ ﵀ على مسلك السلف في تعريف هذا النوع من أنواع التوحيد، وإبراز أهميته. ووضح أنه هو معنى "لا إله إلا الله"؛ تلك الكلمة الخالدة التي دعا إليها كلّ نبيّ أمته، وحذرهم من مخالفتها.
وعرف الشيخ -﵀- توحيد الألوهية، وحدد ضابطه؛ عرفه بأنه: "توحيده جلّ وعلا في عبادته"، وحدد ضابطه بقوله "وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"؛ وهي مركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ماكانت في جميع أنواع العبادات بإخلاص على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام"١.
وقد أورد -﵀- الأدلة من القرآن الكريم على تعريفه لهذا النوع من التوحيد؛ فقال: "وأكثر آيات القرآن الكريم من هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد: قوله
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٤١٠. ٢ سورة ص، الآية [٥] .
[ ١ / ١٠٧ ]
تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآية١، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: أن ما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة "لا إله إلا الله" لجميع ماجاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب. والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة"٦.
وعرف الشيخ -﵀- توحيد الألوهية في موضع آخر بقوله: "إن توحيد الألوهية هو معنى كلمة "لا إله إلا الله"، وهي بلا شك متضمنة لجميع الشرائع، فيدخل في ذلك فعل كلّ واجب وغيره؛ كالمندوب، وترك كلّ محرم وغيره؛ كالمكروه" ٧.
ويقول عن هذا التوحيد في موضع آخر زيادة في الإيضاح: "إن الركن الأكبر الذي هو توحيد الله بأنواعه، المستلزم إفراده بالعبادة وحده هو منتهى التحرر من الرق والعبودية للمخلوقين؛ ومن جملتهم النفس والهوى
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية [١٩] . ٢ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٤ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٦ أضواء البيان ٣/٤١٠، ٤١١. ٧ معارج الصعود ص٤٠.
[ ١ / ١٠٨ ]
والشيطان –كفانا الله وإخواننا المسلمين شر ذلك كله والهوى والشيطان-"١.
فالشيخ -﵀- اعتنى بهذا التوحيد، شأنه شأن العلماء المحققين السائرين على منهج السلف الصالح الذين فهموا دعوة الرسل وحقيقة التوحيد، وأنها إفراد الله بكل أنواع العبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، والتمييز بين حقوق الله الخاصة به سبحانه، وبين حقوق خلقه.
وللتدليل على أن الشيخ -﵀- لم يخرج عن منهاج السلف، بل اقتفى أثرهم في الاعتناء بهذا النوع من أنواع التوحيد أذكر تعريفًا واحدًا من تعاريف السلف لهذا التوحيد؛ يقول الإمام ابن تيمية٢﵀-: "فإنّ حقيقة التوحيد: أن نعبد الله وحده، فلا يدعى إلا هو، ولا يُخشى إلا هو، ولا يُتقى إلا هو، ولايتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق، وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم" ٣.
ويلاحظ التوافق بين هذا التعريف، وتعريف الشيخ -﵀-، بل السلف كلهم على هذا التعريف.
ولم يقتصر اعتناء الشيخ -﵀- بهذا النوع من أنواع التوحيد على مجرد ذكره وتبيين أهميته في كتبه، بل نراه لا يدع مناسبة إلا ويحرص على التدليل على أهميته، وتبيين أنه أصل الدين وأساسه؛ يقول في محاضرة ألقاها في المسجد النبوي متحدثًا عن هذا النوع العظيم من أنواع التوحيد: "توحيده جلّ وعلا في عبادته هو الذي فيه جميع المعارك بين الرسل والأمم،
_________________
(١) ١ منهج التشريع الإسلامي ص١١. ٢ تقدمت ترجمته. ٣ منهاج السنة النبوية ٣/٤٩٠.
[ ١ / ١٠٩ ]
وهو الذي أرسلت لتحقيقه، وحاصله هو معنى "لا إله إلا الله"؛ فهو مبني على أصلين هما النفي والإثبات في "لا إله إلا الله". فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادة كائنة ماكانت. ومعنى الإثبات منها: هو إفراده جلّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادة على الوجه الذي شرع أن يعبد به. وجلّ القرآن في هذا النوع: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. والآيات في هذا كثيرة جدًا٦.
ونراه -﵀- أثناء مروره بـ"أم درمان" متجهًا إلى الديار المقدسة يُسأل عن قصة الغرانيق٧، فيوضحها، ويتكلم عن إخلاص العبادة لله تعالى فيقول: "فإخلاص العبادة لله وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطًا خاتمهم ﷺ، ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطا في توحيد الله في عبادته جلّ وعلا، فالسجود
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٣ سورة البقرة، الاية [٢٥٦] . ٤ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٦ المعين والزاد ص٦٥. ٧ تتلخص قصة الغرانيق فيما يأتي: ذكر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ:"أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فلما بلغ السجدة سجد، فسجد معه المسلمون والمشركون. وقد رجح الشيخ الشنقيطي -﵀- عدم صحتها، وعضّد قوله بأقوال عدد كبير من العلماء الذين أنكروها. (انظر: رحلة الحج ص١٢٨-١٣٠. وكذا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٠٧-٢١٢-) .
[ ١ / ١١٠ ]
لمخلوق في شريعته السمحة كفر بالله تعالى، مع أنه كان جائزًا في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ١، ولذلك أمر نبينا ﷺ أن يقول للناس أنه ما أوحي إليه إلا توحيد الله تعالى في عبادته في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أنّ لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه ﷺ في أصله الأعظم الذي هو "لا إله إلا الله"؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها التابعة لها. ولهذا صار مكذب رسول واحد مكذبا لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣؛ أي بتكذيبهم نوحًا. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٤؛ أي بتكذيبهم هودا.
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية [١٠٠] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٣ سورة الشعراء، الآية [١٠٥] . ٤ سورة الشعراء، الآية [١٢٣] .
[ ١ / ١١١ ]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١؛ أي بتكذيبهم لوطًا. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢؛ أي بتكذيبهم شعيبًا. فهذه الآيات تدل على أن مكذب رسول واحد مكذب لجميع الرسل؛ وذلك لاتحاد دعوتهم، وهي مضمون لا إله إلا الله" ٣.
وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع.
والمقصود أن الشيخ -﵀- لم يترك مناسبة تمرّ إلا وأفاض فيها في الكلام عن توحيد الألوهية، وأنه دعوة جميع الأنبياء ﵈، وأنّ الله ﷾ ما خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب إلا ليعبد ولايشرك معه شيء.
ونراه كذلك -﵀- يسترسل في ذكر الأدلة الصريحة من القرآن الكريم الدالة على شأن العبادة وعظمها؛ فيقول "والآيات الدالة على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدًا؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٦، وغير ذلك من الآيات" ٧.
والشيخ -﵀- قد أوضح أن توحيد الألوهية هو معنى "لا إله إلا الله" التي من أجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآية [١٦٠] . ٢ سورة الشعراء، الآية [١٧٦] . ٣ رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص١٣٤. ٤ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٦ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٧ أضواء البيان ٣/٨.
[ ١ / ١١٢ ]
وببيان معنى هذه الكلمة العظيمة تكتمل الفائدة ببيان تعريف توحيد الألوهية.
معنى "لا إله إلا الله"
" لا إله إلا الله" كلمة التوحيد التي من حققها دخل الجنة، وكان من الآمنين يوم القيامة. وهي أصل الدين، ودعوة جميع الأنبياء والمرسلين؛ من لدن نوح ﵇، وحتى نبينا محمد ﷺ كلّ منهم يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا.
ولأهمية هذه الكلمة وعظمها قال عنها الإمام ابن القيم١ -﵀-: "كلمة قامت بها الأرض والسموات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. ولأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار. وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار. فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد. وهي حق الله على جميع العباد؛ فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وعنها يسأل الأولون والآخرون. فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟، وماذا أجبتم المرسلين؟. فجواب الأولى بتحقيق "لا إله إلا الله" معرفة وإقرارًا وعملًا. وجواب الثانية بتحقيق "أن محمدًا رسول الله" معرفة وإقرارًا وانقيادًا وطاعة" ٢.
وقد سلك الشيخ -﵀- مسلك السلف في تفسير معنى "لا إله إلا
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ زاد المعاد ١/١٣٤.
[ ١ / ١١٣ ]
الله" فقال: "إن معناها: لا معبود بحق إلا الله" ١.
وهذا هو التفسير الصحيح الذي ارتضاه السلف الصالح ﵏؛ يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب٢رحمهم الله: "ومعنى لا إله إلا الله: أي لامعبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لاشريك له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، فصح أن معنى الإله: هو المعبود. ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٥. وقال قوم هود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦، وهو إنما دعاهم إلى "لا إله إلا الله". فهذا هو معنى "لا إله إلا الله"، وهو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه؛ وهو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله" ٧.
ولم يقتصر الشيخ الأمين -﵀- على التعريف السابق بل زاد معنى "لا إله إلا الله" توضيحًا بذكر ما اشتملت عليه من نفي وإثبات، وببيان أن الدين الإسلامي قائم على هذه الكلمة؛ فقال عند تفسيره لقوله
_________________
(١) ١ انظر: أضواء البيان ٤/٥٠٨، ٦/٢٧٣. ومعارج الصعود ص١٤٣. ٢ هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. من أئمة الدعوة المجاهدين. ولد في الدرعية سنة (١٢٠٠هـ) . كان قاضيًا على مكة المكرمة في عهد الدولة السعودية الأولى. مات مقتولًا في الدرعية عام (١٢٣٣هـ) عندما هاجمها إبراهيم باشا. (انظر: علماء نجد خلال ستة قرون ١/٢٩٣. والأعلام ٣/١٢٣) . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٤ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٥ سورة ص، الآية [٥] . ٦ سورة الأعراف، الآية [٧٠] . ٧ تيسير العزيز الحميد ص٧٣.
[ ١ / ١١٤ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١: "إن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى "لا إله إلا الله"؛ لأن معناها خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات؛ فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية" ٢.
ويقول -﵀- في موضع آخر: "وقد حصر الله جل وعلا الوحي كله في هذه الكلمة؛ حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣؛ وذلك أنها تحتوي على مضمون كلّ الكتب السماوية والشرائع الإلهية، وتشملها؛ لأنها مركبة من نفي كل الآلهة –غير الله-، ونفي عبادتها، وإثبات كلّ العبادات لله وحده، ففيها يدخل كلّ تقرب إلى الله تعالى من عقائد وأعمال، ولهذا قال النبيّ ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٤. فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: "أعبدوا الله"؛ أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذلّ والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذلّ، لأنها قد تكون طبيعية، ولا يكفي مجرد الخضوع والذلّ؛ لأنه قد يكون خاضعًا لمن يبغضه، تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله" ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٢ أضواء البيان ٣/٨. ٣ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٤ أخرجه مسلم ١/٥٣. ٥ معارج الصعود ص١٣٦. وانظر المصدر نفسه ص٢٠٤.
[ ١ / ١١٥ ]
وبهذا يتضح اهتمام الشيخ -﵀- بمعنى "لا إله إلا الله". واقتداؤه في تفسيرها بسلف هذه الأمة، وسلوكه مسلكهم من حيث إيضاح معناها غاية الإيضاح. وبيان أنها قاعدة الدين، ومنتهى غاية المؤمنين.
وقد كرر -﵀- نحو هذا الكلام في عدة مواضع من كتابه أضواء البيان١. وفي غيره من كتبه٢.
وأذكر هنا من أقوال السلف مايعضد فهم الشيخ -﵀- لمعنى "لا إله إلا الله" المشتملة على النفي والإثبات:
فمن ذلك: قول شيخ الإسلام ابن تيمية٣﵀- بعد كلامه على إخلاص العبادة لله: "وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ماسوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات، مثبتًا لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات. وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ماسواه؛ فيكون مفرقا –في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته- بين الخالق والمخلوق؛ بحيث يكون عالمًا بالله تعالى، ذاكرا له، عارفًا به. وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وإنفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محبًا لله، معظمًا له، عابدًا له، راجيًا له، خائفًا منه، محبًا فيه، مواليًا فيه، معاديًا فيه، مستعينًا به، متوكلًا عليه، ممتنعًا عن عبادة غيره، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والطاعة لأمره، وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهيته
_________________
(١) ١ انظر: أضواء البيان ١/١٠٣، ٢/٤٧، ٣/٢٠٥، ٢٦٧. ٢ انظر: تفسير سورة النور –جمع د/عبد الله القادري- ص١٩٧. ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٠٤، ٢٢٥. ٣ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ١١٦ ]
﷾" ١.
ومن أقوال العلماء الذين اشتهر عنهم تمسكهم بمنهج السلف في مسائل العقيدة، واهتمامهم بهذا النوع من التوحيد خاصة؛ أذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب٢﵀- في معنى "لا إله إلا الله" مؤيدًا بذلك كلام الشيخ الأمين -﵀- في هذا المعنى يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀-: "فإن هذه الكلمة "لا إله إلا الله" نفي وإثبات؛ نفي الإلهية عما سوى الله ﷾ من المخلوقات، حتى من المرسلين البشر وخاتمهم محمد ﷺ، وحتى من الملائكة وجبريل عليهم وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام، فضلًا عن غيرهم من الأنبياء والصالحين وسائر المخلوقات؛ وإثباتها بجميع أنواعها كلها لله ﷿ وحده لا شريك له" ٣.
والخلاصة: أنّ الشيخ الأمين -﵀- يرى أن معنى "لا إله إلا الله" لا يقتصر على النطق بها، بل يجب تحقيق لوازمها، مع ترك ما يناقضها؛ فالجهل بمعناها جهل بالدين لا ينجي من الخلود في النار، فإنّ "لا إله إلا الله" هي معنى توحيد الألوهية؛ الذي هو دعوة الرسل جميعًا.
_________________
(١) ١ العبودية ص١٥٦. وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص١١١. ٢ هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي الوهيبي التميمي، مجدد الدعوة في الجزيرة العربية. ولد في العيينة سنة (١١١٥؟)، وتوفي في الدرعية سنة (١٢٠٦؟) . (انظر: علماء نجد ١/٢٥) . ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الأول –العقيدة: تفسير كلمة التوحيد- ص٣٦٣، ٣٦٤.
[ ١ / ١١٧ ]