قال الشيخ عطية سالم يخبر عن الشيخ الأمين -﵀-:
حفظ القرآن في بيت أخواله، على خاله عبد الله، وعمره عشر سنوات، قال -﵀-: "ثمّ تعلمت رسم المصحف العثماني المصحف الأم) عن ابن خالي سيدي محمد بن أحمد بن محمد بن المختار، وقرأت عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش، من طريق أبي يعقوب الأزرق.
وقالون؛ من رواية أبي نشيط. وأخذت عنه سندًا بذلك إلى النبيّ ﷺ، ذلك وعمري ست عشرة سنة"١.
أنواع الدراسة في القرآن: "تعتبر الدراسة في علوم القرآن منهجًا متكاملًا، لا تقتصر على الحفظ والأداء، بل تتناول معرفة رسم المصحف؛ أي نوع كتابته؛ ما كان موصولًا أو مفصولًا، وما رسم فيه المدّ أو كان يمدّ بدون وجود حرف المدّ، وقد يكون حرفًا صغيرًا أو نحو ذلك. ثمّ ضبط ما فيه من منشأيه في الرسم أو التلاوة. ومن المشهور عندهم في هذا رجز محمد بن بوجه) المشهور. المعروف بالبحر، تعرض فيه لكلِّ كلمة جاءت في القرآن مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاث مرات إلى سبع وعشرين مرة؛ أي من الكلمات المشتبهة. وأفرد كلّ عدد بفصل؛ فمثلا: "كلمة أعينهم" بالرفع: "جاءت ثلاث مرات، قال فيها:
أعينهم بالرفع من غير حضور
من بعد كانت وتولت وتدور
ومن الثنائي: "كلمة الأشياع" بالعين، قال فيه:
أشياع بالعين فهل من مدكر
في سبأ من قبل بأنهم ذكر
_________________
(١) ١ ترجمة الشيخ -﵀- في أضواء البيان ١/٢١-٢٢.
[ ١ / ٥٥ ]
وقد درس هذا كله في طفولته، وكانت له زيادة نظم على ذلك تذييلا لزيادة الفائدة، كما قال على البيت الأخير مبينًا حركاته وإعرابه:
في سورة القمر خاطب وانصبا
وجره وغيبه في سبا
أي في سورة القمر تكون تلاوتها الخطاب والنصب: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .وفي سورة سبأ تكون تلاوتها بالغيبة والجر: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ .وهذه دراسة لا تكاد توجد إلا ما شاء الله، وهي من المهام العلمية لحفظها رسم القرآن من التغيير والتبديل، وهي من آثار تعهد الله بحفظ هذا القرآن المنزل من عنده سبحانه.
ثم قال -﵀-: "وفي أثناء هذه القراءة درست بعض المختصرات في فقه مالك؛ كرجز الشيخ ابن عاشر. وفي أثنائها أيضًا درست دراسة واسعة في الأدب على زوجة خالي أم ولد الخال؛ -أي أن ولد خاله يعلمه العلوم الخاصة بالقرآن، وأمه تعلمه الأدب - قال: "أخذت عنها مبادئ النحو؛ كالأجرومية، وتمرينات ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم، والسيرة النبوية، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي؛ وهو يزيد على خمسمائة بيت، وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بحماد، ونظم عمود النسب للمؤلف؛ وهو يعدّ بالآلاف، وشرحه لابن أخته المذكور على خصوص العدنانيين؛ لأنه مات قبل شرح ما يتعلق بالقحطانيين.
هذه دراسة في علوم القرآن والآداب والسير والتاريخ، كانت في بيت أخواله؛ على أخواله؛ وأبناء أخواله، وزوجات أخواله؛ أي كان بيت أخواله المدرسة الأولى له. أما بقية الفنون؛ فقال:
أولا: الفقه المالكي: "وهو المذهب السائد في البلاد: "درست مختصر خليل. بدأ دراسته فيه على الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات، ثمّ درس عليه النصف من ألفية ابن مالك، ثمّ أخذ بقية
[ ١ / ٥٦ ]
الفنون على مشايخ متعددين في فنون مختلفة، وكلهم من الجكنيين، ومنهم مشاهير العلماء في البلاد، منهم:
١- الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأفرم.
٢- والشيخ أحمد الأفرم بن محمد المختار.
٣- والشيخ العلامة أحمد بن عمر.
٤- والفقيه الكبير محمد النعمة بن زيدان.
٥- والفقيه الكبير أحمد بن مُودْ.
٦- والعلامة المتبحر في الفنون أحمد فال بن آدُه.
وغيرهم من المشايخ الجكنيين.
وقال -﵀-: "وقد أخذنا عن هؤلاء المشايخ كلّ الفنون؛ النحو، والصرف، والأصول، والبلاغة، وبعض التفسير والحديث. أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلناه بالمطالعة"؛ هذا ما أملاه عليّ -﵀-.وسجلته عنه.
علما بأنّ الفنّ الذي درسه على المشايخ، أو مطالعة من الكتب لم يقتصر في تحصيله على دراسته، بل كان دائمًا يديم النظر، ويواصل التحصيل، حتى غدا في كلّ منه كأنه متخصص فيه، بل وله في كلّ منه اجتهادات ومباحث مبتكرة١.
دراسة الشيخ -﵀-:
وقد أوجزها الشيخ عطية سالم فيما يأتي:
١ - في مبدأ دراسته تقدم أنه أتيح له في بادئ دراسته ما لم يتح لغيره؛
_________________
(١) ١ انظر المصدر السابق نفسه، ١/٢٢-٢٥.
[ ١ / ٥٧ ]
حيث كان بيت أخواله مدرسته الأولى. فلم يرحل في بادئ أمره للطلب، وكان وحيد والديه، فكان في مكان التدلل والعناية.
٢ - قال -﵀-: "كنت أميل إلى اللعب أكثر من الدراسة، حتى حفظت الحروف الهجائية، وبدأوا يقرئونني إياها بالحركات؛ با فتحة، با.بي كسرة، بي. بو ضمة، بو وهكذا.فقلت لهم: "أو كلّ الحروف هكذا؟ فقالوا: نعم. فقلت: كفى، إني أستطيع قراءتها كلها على هذه الطريقة، كي يتركونني. فقالوا: اقرأها، فقرأت بثلاثة حروف أو أربعة، وانتقلت إلى آخرها بهذه الطريقة، فعرفوا أني فهمت قاعدتها، واكتفوا مني بذلك، وتركوني. ومن ثم حببت إليّ القراءة".
٣ - وقال -﵀-: "ولما حفظت القرآن، وأخذت الرسم العثماني، وتفوقت فيه على الأقران عُنيت بي والدتي وأخوالي أشدّ عناية، وعزموا على توجيهي للدراسة في بقية الفنون، فجزهتني والدتي بجملين؛ أحدهما عليه مركبي وكتبي، والآخر عليه نفقتي وزادي. وصحبني خادم، ومعه عدة بقرات. وقد هيأت لي مركبي كأحسن ما يكون من مركب، وملابسي كأحسن ما تكون فرحًا بي وترغيبًا لي في طلب العلم. وهكذا سلكت سبيل الطلب والتحصيل".
تقوم الحياة الدراسية على أساس منع الكلفة، وتمام الألفة، سواء بين الطلاب أنفسهم، أوبينهم وبين شيخهم، مع كمال الأدب، ووقار الحشمة. وقد تتخللها الطرق الأدبية، والمحاورات الشعرية، ومن ذلك ما حدثنيه -﵀-، قال: "قدمت على بعض المشايخ لأدرس عليه، ولم يكن يعرفني من قبل، فسأل عني: من أكون، وكان في ملأ من تلامذته، فقلت مرتجلا:
هذا فتى من بني جاكان قد نزلا
به الصبا عن لسان العرب قدعدلا
رمت به همة علياء نحوكم
إذ شام برق علوم نوره اشتعلا
فجاء يرجو ركامًا من سحائبه
تكسو لسان الفتى أزهاره حللا
[ ١ / ٥٨ ]
إذ ضاق ذرعا بجهل النحو ثم أبى
ألا يميّز شكل العين من فعلًا
فقد أتى اليوم صبا مولعًا كلفا
بالحمد لله لا أبغي له بدلا
يريد دراسة لامية الأفعال.
وقد مضى -﵀ - في طلب العلم قدما، وقد ألزمه بعض مشايخه بالقرآن؛ أي أن يقرن بين كلّ فنين حرصا على سرعة تحصيله. وتفرسًا له في القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عاليه في الدرس والتحصيل.
وقد خاطبه بعض أقرانه في أمر الزواج، فقال في ذلك، وفي الحثّ على طلب العلم:
دعاني الناصحون إلى النكاح
غداة تزوجت بيض الملاح
فقالوا لي تزوج ذات دلّ
خلوب اللحظ جائلة الوشاح
تبسّم عن نوشرة رقاق
يمج الراح بالماء القراح
كأن لحاظها رشقات نبل
تذيق القلب آلام الجراح
ولا عجب إذا كانت لحاظ
لبيضاء المحاجر كالرماح
فكم قتيلا كميتا ذا ولا حي
ضعيفات الجفون بلا سلاح
فقلت لهم دعوني إن قلبي من
العيّ الصراح اليوم صاحي
ولي شغل بأبكار عذارى
كأنّ وجوهها ضوء الصباح
أراها في المهارق لابسات
براقع من معانيها الصحاح
أبيت مفكرا فيها فتضحى
لفهم الفدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبرا عليها
وما كان الحريم بمستباح
[ ١ / ٥٩ ]
إلى آخر ذلك ما ذكره الشيخ عطية سالم١
وقال ابنه عبد الله يحكي عن والده: "كان دائما يحثنا على شعر أحمد بن حنبل الشنقيطي؛ لأنه يحثّ على العلم. ويتمثل بشعره الذي يقول فيه:
لا تسؤ بالعلم ظنًا يا فتى
إنّ سوء الظنّ بالعلم عطب
لا يزهدك أخي في العلم أن
غمر الجهال أرباب الأدب
إن تر العالم نضوا مرملا
صفر كفّ لم تساعده سبب
وترى الجاهل قد حاز الغنى
محرز المأمول عن كلّ أرب
قد تجوع الأسد في آجامها
والذئاب الغبش تعتام القتب
جرع النفس على تحصيله
مضض المرين ذلّ وسغب
لا يهاب الشوك قطاف الجنى
وإبار النحل مشتار الضرب
وكان -﵀ - قد ملكت عليه محبته للعلم وفهمه أحاسيسه، فإذا كان يقرأ قد تصل إليه الشمس ولا ينتبه، وقد يضيع عليه الوقت، وقد ينتهي وقت الأكل والشرب، ووقت المواعيد التي عنده، فلا بدّ من أن ينبهه أحد إذا كان مشتغلًا بالعلم؛ لأنه يملك عليه شعوره.
وكان -﵀- وهو مريض يدرس المسائل التي لا يستطيع أن يدرسها الجاهل المتعطش للعلم، وكنت أقرأ له أحيانا حتى أخرج من عنده وأنا معي دوار من كثرة ما قرأت عليه.
وكان في طلبه الأول يدرس المسائل دراسة جردية؛ فيأخذ مثلًا باب القياس، ويجمع كلّ الكتب والمراجع التي تتعلق بالقياس ويعكف عليه
_________________
(١) ١ ترجمة الشيخ ﵀ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم - بتصرف - (انظر أضواء البيان ١/٢٨ _٣١) .
[ ١ / ٦٠ ]
حتى يحفظه، ثمّ ينتقل إلى باب الاجتهاد، ثمّ إلى باب الأمر. وهكذا كان يأخذ المسائل جزئية جزئية، ولكن إذا أخذ الجزئية يجمع لها جميع ما يصل إليه من المراجع، ثمّ يدرس المسائل بحذافيرها.
وقال لي مرة: "إنه درس نصا من خليل، في كتاب النكاح"، وهو فصل: "لو ببيع سلطان لفلس"، فقال: "شرحه لي شيخي بعد العصر ولم أفهمه، وكررت قراءة الكتب، ولم أفهم. وجاء الليل فأوقدت نارًا، وجلست أكرر القراءة في المراجع حتى طلع الفجر، ثم صليت الفجر وأنا لم أنم، ثمّ بعد ذلك فهمت المسألة، وكانت النتيجة قليلة، فقلت: لو كنت أتعبت ذهني لأستخرج مسائل من الكتاب والسنة لكنت أتيت للمسلمين بعلم كثير"١.
فالشيخ -﵀ - إذا وجد مسألة صعب عليه فهمها لا يهدأ له بال حتى يفهمها فهمًا جيدًا، ويعرف ما وراءها.
وكلّ العلوم درسها على شيوخه إلا فنّ المنطق، فإنه جلس عليه ستة شهور لا يخرج من البيت إلا للصلاة، وخرج بألفية جيدة، ومع الأسف فإن أغلبها مفقود. فهذا هو العلم الذي حصله الشيخ بنفسه. وقد أخبرني مشافهة أن كل آية في القرآن درسها على حدة، وذكر لي الشيخ عطية عن والدي أنه قال له: "لا توجد في القرآن آية قال: "فيها الأقدمون شيئا إلا حفظته.
وكان الشيخ - ﵀ - إذا أخذ الكتاب يحاول أن يقرأه، وفي كلّ الكتب التي اقتناها يكتب المسائل التي قرأها في الصفحة الأولى من الكتاب.
وكان - ﵀ - يحفظ ألفية ابن مالك، وألفية العراقي، وألفية مراقي السعود، ويحفظ من الشعر الشيء الكثير.
_________________
(١) ١ ذكرها أيضا الشيخ عطية سالم في ترجمة الشيخ. انظر أضواء البيان ١/٣١.
[ ١ / ٦١ ]
وكان يحفظ أكثر أحاديث البخاري ومسلم، وقد قال لنا في آخر حياته: "ادرسوا عليّ الصحيحين، فإني أحبّ أن يدرسا عليّ".
وحدثني الدكتور/محمد الخضر الناجي عن الشيخ الأمين - ﵀ -، فقال: "إنه قال أمامي في إحدى الجلسات أنه درس المصحف من أوله إلى آخره، ولم يترك منه آية إلا وعرف ما قاله العلماء فيها.
ولما قال له بعض الإخوان إنّ سليمان الجمل١لم يقل هذا. قال: "أحلف لك بالله أني أعلم بكتاب الله من سليمان الجمل بكذا؛ لأني أخذت المصحف من أوله إلى آخره، ولم تبق آية إلا تتبعت أقوال العلماء فيها، وعرفت ما قالوا.
وقال أيضًا أمامي: "إنه لم يبحث عن شيء مثل بحثه في مسألتين، ولم يقف منهما على مقنع، منهما يعني الأحرف السبعة والأقوال فيها تنيف عن أربعين قولا. ثمّ المسألة الثانية في مسائل انفكاك الجهة".
_________________
(١) ١ هو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل. من أهل منية عجيل؛ إحدى قرى الغربية بمصر. له حاشية على تفسير الجلالين. مات سنة ١٢٠٤؟. انظر: الأعلام ٣/١٣١، ومعجم المؤلفين ٤/٢٧١.
[ ١ / ٦٢ ]