الهداية نوعان: هداية دلالة على الحقّ وإرشاد؛ وهي لجميع الخلق، وهي التي يقدر عليها الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١. وهداية توفيق وتثبيت من الله منة منه وفضلا لعباده المتقين؛ وهي التي لايقدر عليها إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢"٣.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- نوعي الهداية، فقال -﵀-: "إنّ الهدى يستعمل في القرآن استعمالين؛ أحدهما عام، والثاني خاص. أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحقّ وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ٤؛ أي بينا لهم طريق الحقّ على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أنهم لم يسلكوها، بدليل قوله ﷿ ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٥.
ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ٦ أي بينا له طريق الخير والشرّ، بدليل ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية [٧] . ٢ سورة القصص، الآية [٥٦] . ٣ انظر الجامع لأحكام القرآن ١/١١٢-١١٣. ٤ سورة فصلت، الآية [١٧] . ٥ سورة فصلت، الآية [١٧] . ٦ سورة الإنسان، الآية [٣] . ٧ سورة الإنسان، الآية [٣] .
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وأما الهدى الخاصّ: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١،٢.
وقال أيضا: "إنّ الهدى المثبت له ﷺ هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإرشاد.
وقد فعل ذلك ﷺ فبين المحجة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك. والهدى المنفي عنه في آية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٣ هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق: لأنّ ذلك بيد الله وحده، وليس بيده ﷺ؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية٤"٥.
ثمّ وضح الشيخ الأمين -﵀- أنّ التوفيق الخاص هو ملك لله يمنّ به على من يشاء من عباده؛ فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٦.
"فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه؛ يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق فهو فضل منا ورحمة. ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك دينا علينا ولاواجبا مستحقا يستحقه علينا بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل"٧.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٢٥] . ٢ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٨. ٣ سورة القصص، الآية [٥٦] . ٤ سورة المائدة، الآية [٤١] . ٥ أضواء البيان ٧/١٢٦-١٢٧. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٦٨، ٤/١٤٧، ٦/٤٥٦. ٦ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] . ٧ أضواء البيان ٧/٢٢٣.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وتقسيم الشيخ الأمين -﵀- للهداية إلى هذين النوعين ليس بدعا، بل قد سبقه إليه أئمة السلف ﵏؛ منهم الإمام ابن القيم -﵀- الذي قال في توضيح نوعي الهداية: (قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها. والهداية معرفة الحقّ والعمل به، فمن لم يجعله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء؛ فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لايتخلف عنها؛ وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به. فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولانبيّ مرسل، وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١، مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢؛ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود فاستحبوا العمى عليها، وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ٣؛ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم، ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لايضلّ من هداه بها، فذاك عدله فيهم، وهذا حكمته؛ فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم، ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولايليق بهم) ٤.
وقال -﵀- أيضًا يتكلم عن القسم الثاني من أقسام الهداية، ألا وهو تفضل الله على العبد بتوفيقه رحمة منه وفضلًا جل وعلا: "التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، فالعبيد مقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية [٥٦] . ٢ سورة الشورى، الآية [٥٢] . ٣ سورة التوبة، الآية [١١٥] . ٤ شفاء العليل ص٥٣. وانظر: المصدر نفسه ص٦٥. وبدائع الفوائد ٢/٣٥. ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٤. وشرح العقيدة الطحاوية ص٥٠٠.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
نصيبه من هذا وهذا فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته. وهو المحمود على هذا وهذا له أتمّ حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله"١.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٤١٣. وانظر شرح الطحاوية ص٥٠٠.
[ ٢ / ٥٤٩ ]