الميزان لغة: اسم للآلة التي توزن بها الأشياء.
والوزن: معرفة قدر الشيء، يقال: وزنته وزنًا وزنة، والمتعارف في الوزن عند العامة: ما يقدر بالقسط والقبان١.
والميزان شرعا: هو ما ينصبه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد؛ ليجازيهم على أعمالهم. وهو ميزان حسي له كفتان ولسان.
وقد دلّ عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. وقال ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣. وقال ﷺ عن ساقي عبد الله بن مسعود: "إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد"٤.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- حقيقة الميزان، وسرد الأدلة على وجوده، وأنه حقّ ثابت. وقد رجح في الأخير أنها موازين عدة لا واحد.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٥: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط
_________________
(١) ١ المفردات ص٥٢٢. ٢ سورة الأنبياء، الآية [٤٧] . ٣ أخرجه مسلم ٤/٢٠٧٢. ٤ رواه أحمد في المسند ١/٤٢٠-٤٢١. وقال الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص٤٧٤): "بسند حسن". ٥ سورة الأنبياء، الآية [٤٧] .
[ ٢ / ٤٨٨ ]
ليوم القيامة، فتوزن أعمالهم وزنًا في غاية العدالة والإنصاف، فلا يظلم الله أحدًا شيئًا، وأنّ عمله من الخير أو الشر وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإنّ الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، وكفى به جل وعلا حاسبًا لإحاطة علمه بكلّ شيء. وبين في غير هذا الموضع أنّ الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخفّ، ومنها ما يثقل، وأنّ من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا"١.
ثمّ سرد -﵀- الآيات الدالة على ذلك من القرآن الكريم كعادته في تفسير القرآن بالقرآن، ورجح -﵀- تعدد الموازين، فقال: "وقوله في هذه الآية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِين﴾ جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكلّ شخص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٣: فظاهر القرآن يدلّ على أنّ للعامل الواحد موازين يوزن بكلّ واحد منها صنف من أعماله٤؛ كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لعدله
فلكلّ حادثة لها ميزان
والقاعدة المقررة في الأصول: أنّ ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة٥"٦.
وأثبت -﵀- أنّ العامل يوزن، واستدلّ بحديث أبي هريرة رضي
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٥٨٣-٥٨٤. ٢ سورة الأعراف، الآية [٨] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٩] . ٤ ذكر ذلك الرازي في تفسيره (١٤/٢٩)، وقال: الأظهر إثبات الموازين يوم القيامة، لا ميزان واحد. وقال: فلا يبعد أن تكون لأفعال القلوب ميزان، وللجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان. وذكره القرطبي (انظر الجامع لأحكام القرآن ١١/١٩٤)، ولم يرجحه. ٥ انظر تفسير القرآن العظيم ٣/١٨٠. وهو ما رجحه الحافظ ابن حجر -﵀- (انظر فتح الباري ١٣/٥٤٧) . ٦ أضواء البيان ٤/٥٨٣-٥٨٤.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الله عنه، عن النبيّ ﷺ: " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة". وقال اقرؤوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ١"٢. ثمّ قال -﵀-: "وفيه دلالة على وزن الأشخاص"٣.
ويحسن بنا أن نختم هذا المبحث بأقوال السلف في حقيقة الميزان، وأنه يجب الإيمان به كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال أبو إسحاق الزجاج٤ -﵀-: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأنّ أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأنّ الميزان له لسان، وكفتان، ويميل بالأعمال"٥.
وقال ابن أبي العزّ الحنفي -﵀-: " فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أنّ الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولانقصان"٦.
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [١٠٥] . ٢ رواه البخاري في الصحيح ٥/٢٣٦. ومسلم في الصحيح ٤/٢١٤٧. ٣ أضواء البيان ٤/١٩٥. ٤ هو إبراهيم بن محمد بن سري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج. كان فاضلًا، دينًا، حسن الاعتقاد، عالمًا بالنحو واللغة توفي سنة (٣١١؟) . (انظر: البداية والنهاية ١٣/١٥٩. ومعجم المؤلفين ١/٣٣) . ٥ فتح الباري ١٣/٥٤٨. ٦ شرح الطحاوية ص٤٧٥.
[ ٢ / ٤٩٠ ]