المبحث الثالث: أنواع العبادة
تمهيد:
العبادة منهج عملي شامل، وفق الأدلة الشرعية الثابتة.
عرفها الشيخ الأمين -﵀- بقوله: "العبادة لغة: الذل والخضوع؛ فكل مذلل: معبد. ومنه قيل للرقيق: عبد وقال الشاعر:
تباري عتاقًا جاريات وأتبعت
وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد١
وفي الاصطلاح: التقرب إلى الله جل وعلا بامتثال ما شرع وأمر به، واجتناب ما نهى عنه، على وجه الخضوع والذل والمحبة" ٢.
أما عن كمال العبودية، فقد ذكر -﵀- لها شرطين، لا بد من اجتماعهما بها؛ وهما غاية الحب، وغاية الخضوع والذل، يقول -﵀- عند تفسير قوله ﷾ حكاية عن هود: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ٣: "فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: "اعبدوا الله"؛ أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذلّ والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذلّ؛ لأنه قد يكون خاضعًا لمن يبغضه، تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله" ٤.
_________________
(١) ١ من معلقة طرفة بن العبد، (انظر: شرح المعلقات العشر ص٤٣) . ٢ معارج الصعود ص٤٠، ٤١. ٣ سورة هود، الآية [٥٠] . ٤ معارج الصعود ص١٣٦. ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كلام حول هذا المعنى في رسالة العبودية (انظر: العبودية ص١٢٧) .
[ ١ / ١٥٧ ]
والعبادة تكون بالقلب واللسان والجوارح، وكلّ واحد من هذه الأقسام تندرج تحته أنواع كثيرة. فهي باب واسع دعا الله عباده إلى ولوجه، والسير فيه لنيل مرضاته؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١.
وفي هذا المبحث سأذكر بعض ما تطرق إليه الشيخ -﵀- من أنواع العبادة أثناء تفسيره لكتاب الله العزيز.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٥٣] .
[ ١ / ١٥٨ ]
المطلب الأول: الدعاء
وهو افتقار، وتذلل، وطلب ممن يملك النفع والضر في جلب خير، أو دفع شرّ.
وهو من أعظم أنواع العبادة؛ قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ–إلى قوله- دَاخِرِين﴾ ١،٢.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: نوعا الدعاء:
الدعاء ينقسم إلى نوعين؛
_ دعاء مسألة؛ وهو سؤال بأسمائه الحسنى.
_ دعاء عبادة: وهو التعبد لله بمقتضى هذه الأسماء؛ والنوعان متلازمان٣.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى هذين النوعين، وبين أنه لا اختلاف بينهما: لأنّ من دعا الله فقد تحققت منه العبودية.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤: "قال
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية [٦٠] . ٢ سنن الترمذي ٥/٢١١، وقال:"هذا حديث حسن صحيح". ٣ انظر: مجموع الفتاوى ١٥/١٠-١١. واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٧٨. وبدائع الفوائد ١/١٦٤، ٣/٢-٣. ٤ سورة غافر، الآية [٦٠] .
[ ١ / ١٥٩ ]
بعض العلماء: "ادعوني أستجب لكم" اعبدوني أثيبكم عن عبادتكم. ويدلّ لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال بعض العلماء "أدعوني أستجب لكم": أي اسألوني أعطكم. ولا منافاة بين القولين؛ لأنّ دعاء الله من أنواع عبادته" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- موضحًا هذا المعنى: "إن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة. ويدعى خوفًا ورجاء دعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٢ يتناول نوعي الدعاء، وبكلّ منها فسرت الآية؛ قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا" ٣.
وهذا ما بينه الشيخ الأمين -﵀- وأوضحه: أن من دعا الله دعاء المسألة فقد اعترف أنه المعبود النافع الضار وحده.
المسألة الثانية: إخفاء الدعاء:
أوضح الشيخ -﵀- أن إخفاء الدعاء أعظم من الجهر به ورفع الصوت، فقال -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٩٦. وانظر أيضًا المصدر نفسه ١/١٨٣. ٢ سورة البقرة، الآية [١٨٦] . ٣ الفتاوى ١٥/١٠-١١. وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٧٨-٧٧٩، وبدائع الفوائد ٣/٢-٣، وزاد المعاد ١/٣٣٥.
[ ١ / ١٦٠ ]
خَفِيًّا﴾ ١: "أي دعاه في سر وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه بكون دعائه خفيًا يدلّ على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحًا به في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء" ٤.
وما ذهب إليه الشيخ الأمين -﵀- من أن إخفاء الدعاء أفضل من الجهر به قال جمع غفير من العلماء٥.
فالشيخ الأمين -﵀- إنما أراد بقوله: "إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره" أن يؤكد أن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء. وإذا كان الدعاء كذلك فهو أحرى بالإجابة.
المسألة الثالثة: النهي عن التعدي في الدعاء:
يوضح الشيخ -﵀- أنه لا ينبغي أن يطلب من الله ما ليس فيه مصلحة للسائل خوفًا أن يكون مما لا يرضاه الله ولا يحبه، فيقع السائل في المحظور.
يقول -﵀- موضحًا هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية [٣] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٦٣] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٥] . ٤ أضواء البيان ٤/٢٠٣-٢٠٤. ٥ منهم على سبيل المثال: القرطبي في الجامع لآحكام القرآن ٧/١٤٣، ١١/٥٢. وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ١٥/١٥-١٩. وابن القيم في بدائع الفوائد ٣/٦-٩. والألوسي في روح المعاني ١٦-٥٦. وغيرهم.
[ ١ / ١٦١ ]
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١: "أي لا تطلب مني الشيء الذي لا تعلم أن في طلبك إياه مصلحة؛ لأنك إذا سألت شيئًا لا ينبغي وقوعه فقد طلبت من الله أن يفعل ما لا ينبغي. فكأنك هنا قلت: اللهم أنج كافرًا من الكفار. فإذا جهلت شيئًا فتوقف حتى تعلم أن المصلحة في طلبه. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن العبد إذا اشتبه عليه الأمر في شيء: هل في سؤاله ربه أن يقضيه مصلحة أو لا؟ فإنه لا يسأل الله ذلك خوفًا من أن يكون مما يسخط الله تعالى ويؤخذ من هذا أنه لو علمك إنسان دعاء أعجميًا لا تعرف معناه لا ينبغي أن تدعو به" ٢.
وما ذكره الشيخ -﵀- هنا من النهي عن التعدي في الدعاء وسؤال الله ما لا ينبغي سؤاله: ذكره غيره من العلماء، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله؛ مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازمه البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة، ونحو ذلك من سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله" ٣.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [٤٦] . ٢ معارج الصعود ص١٢٧-١٢٨. ٣ الفتاوى ١٥/٢٢. وانظر: بدائع الفوائد ٣/١٣. وفتح القدير للشوكاني ٢/٥٠٢-٥٠٣. وتفسير المنار١٢/٨٥.
[ ١ / ١٦٢ ]