النار دار العذاب، أعدها الله للكافرين والعصاة فيها أشدّ العذاب، وصنوف العقوبات، وخزنتها ملائكة غلاظ شداد. والكفار مخلدون فيها، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم.
قال تعالى يحذر منها عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًالِلطَّاغِينَ مَآبًا لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًاإِلاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٣.
وقال رسول الله ﷺ: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: " فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها "٤.
_________________
(١) ١ سورة التحريم، الآية [٦] . ٢ سورة النبأ، الآيتان [٢١-٢٦] . ٣ سورة الحجر، الآيتان [٤٣-٤٤] . ٤ أخرجه البخاري في الصحيح ٤/٩٠. ومسلم في الصحيح ٤/٢١٨٤–واللفظ له-.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وقال ﵊: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكلّ جبار عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين "١.
وقد تحدث الشيخ الأمين –﵀- عن صفة النار، عدد أبوابها، وأن لها بصرًا ولسانًا وإرادة وأنها أشد من نار الدنيا بسبعين ضعفًا.
ومما قاله -﵀- في وصف شدتها: (ونار الآخرة لو شددت نار الدنيا إلى منتهاها لكانت نار الآخرة أشدّ منها بسبعين ضعفا. وهي مسودة مظلمة يحطم بعضها بعضا"٢.
وقال في وصف شرابها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ٣: "ذكر في هذه الآية الكريمة أنّ الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار. وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر: كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُود﴾ ٦، وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية٧، وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ٨.
وذكر في موضع آخر أنّ الماء الذي يسقون صديد –أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٧٠١، وقال: حديث حسن غريب صحيح. وقد صححه الألباني انظر صحيح الجامع ٢/١٣٣٨) . ٢ معارج الصعود ص٢٥٢. ٣ سورة يونس، الآية [٤] . ٤ سورة الرحمن، الآية [٤٤] . ٥ سورة محمد، الآية [١٥] . ٦ سورة الحج، الآيتان [١٩-٢٠] . ٧ سورة الكهف، الآية [٢٩] . ٨ سورة الواقعة، الآيتان [٥٤-٥٥] .
[ ٢ / ٥١٤ ]
بفضله ورحمته- وذلك في قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ الآية١. وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق؛ كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا إِلاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ٣؛ والغساق: صديد أهل النار –أعاذنا الله والمسلمين منها-، وأصله: غسقت العين: سال دمعها. وقيل: هو لغة البارد المنتن. والحميم الآني: الماء البالغ غاية الحرارة. والمهل: دُرْدِي٤الزيت أو المذاب من النحاس والرصاص ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدا٥.
وأما عدد أبواب جهنم؛ فقد ذكره الشيخ –﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآية٦فقال: "لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر في قوله جلّ وعلا: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٧أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها إنه رحيم كريم"٨.
ثم ذكر -﵀- أن النار تتكلم وتبصر فقال -﵀-: "اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآيتان [١٦-١٧] . ٢ سورة ص، الآيتان [٥٧-٥٨] . ٣ سورة النبأ، الآيتان [٢٤-٢٥] . ٤ دردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله. وأصله: ما يركد في أسفل كلّ مائع؛ كالأشربة الأدهان. (لسان العرب ٣/١٦٦) . ٥ أضواء البيان ٢/٤٧٧. ٦ سورة النحل، الآية [٢٩] . ٧ سورة الحجر، الآية [٤٤] . ٨ أضواء البيان ٣/٣٦٢.
[ ٢ / ٥١٥ ]
هنا: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ١؛ ورؤيتها إياهم من مكان بعيد تدلّ على حدة بصرها كما لا يخفى.
كما أنّ النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٢، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة؛ كحديث محاجة النار مع الجنة٣، وكحديث اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين٤، ونحو ذلك. ويكفي في ذلك أنّ الله جلّ وعلا صرح في هذه الآية أنها تراهم، وأنّ لها تغيظا على الكفار، وأنها تقول هل من مزيد"٥.
وقال -﵀- في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظ﴾ ٦: إثبات أنّ للنار حسا وإدراكا وإرادة، والقرآن أثبت للنار أنها تغتاظ، وتبصر، وتتكلم، وتطلب المزيد؛ كما قال هنا: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ٧.
وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ ٨، وقال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٩، ١٠.
وقد ردّ الشيخ الأمين –﵀- على من تأول تلك النصوص وصرفها عن حقيقتها؛ فقال -﵀-: (واعلم أنّ ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ،
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [١٢] . ٢ سورة ق، الآية [٣٠] . ٣ لعله يعني حديث: " احتجت النار والجنة، فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون.."، أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٨٦. ٤ انظر صحيح البخاري ٤/٨٩. ٥ أضواء البيان ٦/٢٨٨-٢٨٩. ٦ سورة الملك، الآيتان [٧-٨] . ٧ سورة الملك، الآية [٨] . ٨ سورة الفرقان، الآية [١٢] . ٩ سورة ق، الآية [٣٠] . ١٠ تتمة الشيخ عطية سالم لأضواء البيان ٨/٣٩٥.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وأنّ ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها: كله باطل، ولامعول عليه؛ لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند والحقّ هو ما ذكرنا وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أنّ النصوص من الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما هو معلوم في محله. وقال القرطبي في تفسيره هذه الآية الكريمة: إنّ القول بأنّ النار تراهم هو الأصحّ" ١،٢.
وقد ذكر الشيخ الأمين –﵀- أنّ أهل النار هم أكثر الخلق؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣: "هذه الآية تدلّ على أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين؛ فأهل النار هم الأكثر؛ كما بين ذلك في آيات كثيرة وأحاديث؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ٥.
وقد بينت الأحاديث الصحيحة أنّ نصيب النار تسعة وتسعون وتسعمائة من الألف، وأنّ نصيب الجنة واحد من الألف" ٦، ٧.
ثمّ بين الشيخ الأمين –﵀- أنّ أهل النار يدخلونها جماعة جماعة؛ كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٨"٩.
ويتضح من وصف الشيخ الأمين –﵀- للنار –أعاذنا الله منها بكرمه- شدة تتبعه للأثر، ودقة فهمه له، وتوضيح الوصف بالأدلة من القرآن الكريم، كما هو دأبه -﵀- في تفسير القرآن بالقرآن.
_________________
(١) ١ انظر الجامع لأحكام القرآن ١٣/٧.. ٢ أضواء البيان ٦/٢٨٩. وانظر المصدر نفسه ٧/٦٥٣. ٣ سورة هود، الآية [١٧] . ٤ سورة يوسف، الآية [١٠٣] . ٥ سورة الصافات، الآية [٧١] . ٦ انظر: صحيح البخاري ٧/١٩٥-١٩٦. وصحيح مسلم ١/٢٠١. ٧ معارج الصعود ص٧٥. ٨ سورة الأعراف، الآية [٣٨] . ٩ انظر تتمة الشيخ عطية سالم لأضواء البيان ٨/٣٩٥.
[ ٢ / ٥١٧ ]