المبحث الثالث: البعث
تمهيد:
البعث لغة: يقال: بعثه وابتعثه، بمعنى أرسله فانبعث. وقولهم: كنت في بعث فلان: أي في جيشه الذي بُعث معه. والبعوث: الجيوش. وبعثتُ الناقة: أثرتها. وبعثه من منامه: أي أهبّه. وبعث الموتى: نشرهم ليوم البعث١.
قال الشيخ الأمين -﵀-: "والبعث: التحريك من سكون؛ فيشمل بعث النائم والميت وغير ذلك"٢.
والبعث اصطلاحًا: أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها٣؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
قال الحافظ ابن كثير -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٥: (أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمما، ويوجدهم بعد العدم) ٦.
فالإيمان بالبعث أصل سعادة الفرد والمجتمع: فإنّ الإنسان إذا آمن بأنّ الله تعالى سيبعث الخلق بعد موتهم فيحاسبهم، ويجازيهم على أعمالهم؛
_________________
(١) ١ الصحاح للجوهري ١/٢٧٣. وانظر المفردات للراغب الأصفهاني ص٥١. ٢ أضواء البيان ٤/٢٣. ٣ لوامع الأنوار البهية ٢/١٥٧. ٤ سورة يس، الآية [٧٩] . ٥ سورة الحج، الآية [٧] . ٦ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٠٨.
[ ٢ / ٤٧١ ]
فمن أحسن جوزي بالإحسان، ومن أساء عذب بالنيران، وإذا آمن أنّ الله سيقتصّ من الظالم للمظلوم، حتى من الحيوان؛ فإن دابر الشرّ ينقطع، ويسود الخير في المجتمع، وتعمّ الفضيلة والطمأنينة الكلّ.
لذلك أجمعت عليه الشرائع السماوية، وأنذر به الرسل أممهم١، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٢٦٦، ٩/٣٠-٣٣. ٢ سورة الملك، الآيتان [٨-٩] .
[ ٢ / ٤٧٢ ]
المطلب الأول: براهين البعث
ذكر الله ﷾ البراهين على هذا الحدث العظيم بأدلة معنوية وحسية ليرسخ هذا المعتقد في القلوب، فيبعث على العمل والاستمساك بالعروة الوثقى.
وقد تحدث الشيخ الأمين -﵀- عن هذه البراهين في ثنايا تفسيره، فاستنبطها من الآيات الكريمة الدالة على وقوع البعث لامحالة؛ لأنها قول الخالق العظيم الذي لا أحد أصدق منه قيلا، فهي لا تقبل التوقف أو التردد.
ويحسن التنبيه هنا على أنّ بعض براهين البعث قد استشهد به الشيخ الأمين -﵀- على توحيد الألوهية، وقد أشار إلى ذلك عند براهين التوحيد، وذكر أنه أعادها لأهميتها١.
ولا شكّ أنّ هذا ليس بتكرار؛ إذ إنه تناول كلّ قضية من جانب يختلف عن الجانب الذي تناول به القضية الأخرى.
وقد ذكر -﵀- ستة براهين على البعث، وذكر عند كلّ برهان ما يعضده من الآيات على طريقته -﵀- في تفسير القرآن بالقرآن.
_________________
(١) ١ انظر أضواء البيان ٧/٣٣٤.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
البرهان الأول: خلق الناس
استدلّ الشيخ الأمين -﵀- على أنّ من خلق الناس من العدم قادر على إعادتهم بعد فنائهم؛ حيث قال -﵀-: "خلق الناس أولًا المشار إليه بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١، لأنّ الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني.
وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ٣، وكقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة﴾ ٤، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة﴾ ٥، وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ الآية٦، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ٧، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ ٨. ولذا ذكر تعالى أنّ من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول؛ كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية٩، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٢١] . ٢ سورة الروم، الآية [٢٧] . ٣ سورة الأنبياء، الآية [١٠٤] . ٤ سورة الإسراء، الآية [٥١] . ٥ سورة يس، الآية [٧٩] . ٦ سورة ق، الآية [١٥] . ٧ سورة الحج، الآية [٥] . ٨ سورة الواقعة، الآية [٦٢] . ٩ سورة يس، الآية [٧٨] . ١٠ سورة مريم، الآيتان [٦٦-٦٧] .
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ثمّ رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية١ إلى غير ذلك من الآيات"٢.
وقال -﵀- أيضًا: "من خلقهم أولًا من طين، وأصله التراب المبلول، لايشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا ترابًا؛ لأنّ الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء"٣.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية [٦٨] . ٢ أضواء البيان ١/١١٥-١١٦. ٣ أضواء البيان ٦/٦٧٩. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٢٣-٥/٢٦-٢٧، ٧/٣٣٥-٣٣٦، ٧٨٤-٧٨٦.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
البرهان الثاني: خلق المخلوقات التي أكبرها السماوات والأرض
بيَّن الشيخ الأمين -﵀- أنّ من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة فهو قادر على بعث الخلق يوم القيامة، فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ١: "وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة ومردة الجنّ والسموات والأرض والمشارق والمغارب والكواكب أشدّ خلقًا منا؛ لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت؛ لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ من خلق الأعظم الأكبر كالسموات والأرض وما ذكر معهما قادر على أن يخلق الأصغر الأقل، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس﴾ ٢؛ أي: ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على أن يخلق الأصغر، كخلق الإنسان خلقًا جديدًا بعد الموت"٣.
ثمّ سرد -﵀- الآيات الدالة على هذا البرهان، فقال: "وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية [١١] . ٢ سورة غافر، الآية [٥٧] . ٣ أضواء البيان ٦/٦٧٨. ٤ سورة يس، الآية [٨١] .
[ ٢ / ٤٧٦ ]
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ٢، وقال تعالى في النازعات موضحًا الاستفتاء المذكور في آية الصافات هذه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣"٤.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآية [٣٣] . ٢ سورة الإسراء، الآية [٩٩] . ٣ سورة النازعات، الآيات [٢٧-٣٣] . ٤ أضواء البيان ٦/٦٧٨. وانظر المصدر نفسه ١/١١٦، ٣/٢٢٣، ٧/٣٣٤.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها
قال الشيخ الأمين -﵀-: "من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأنّ الجميع أحياء بعد موت.
فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
فقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ٥ يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٣٩] . ٢ سورة الحج، الآيات [٥-٧] . ٣ سورة الروم، الآية [٥٠] . ٤ سورة الأعراف، الآية [٥٧] . ٥ سورة الروم، الآية [١٩] .
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ١. إلى غير ذلك من الآيات"٢.
وعلق -﵀- على هذه البراهين بعد ذكرها بقوله: "فهذه البراهين الثلاثة يكثر جدًا الاستدلال بها على البعث في كتاب الله"٣.
_________________
(١) ١ سورة ق، الآية [١١] . ٢ أضواء البيان ٧/٣٣٦. وانظر المصدر نفسه ١/١١٦، ٣/٢٢٣، ٦/٣٦٧، ٧/٦٤٦، ٧٨٩-٧٩١. ٣ أضواء البيان ٣/٢٢٤.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
البرهان الرابع: إحياء بعض الأموات في الدنيا؛ دليل على إحياء جميع الخلق يوم القيامة
ذكر الشيخ الأمين -﵀- هذا البرهان، وساق له خمسة أدلة من كتاب الله تعالى، أربعة منها فيها ذكر أناس عاشوا بعد الموت؛ فقال -﵀-: "هناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعثوهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا كما تقدمت الإشارة إليه في سورة البقرة؛ لأنّ من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ١. وقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في سورة البقرة في خمسة مواضع: الأول: قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. الثاني: قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. الثالث: قوله جل وعلا: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٤. الرابع: قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية [٢٨] . ٢ سورة البقرة، الآية [٥٦] . ٣ سورة البقرة، الآية [٧٣] . ٤ سورة البقرة، الآية [٢٤٣] . ٥ سورة البقرة، الآية [٢٥٩] .
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الخامس: قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١"٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٢٦٠] . ٢ أضواء البيان ٣/٢٢٤. وانظر المصدر نفسه ١/١٤١.
[ ٢ / ٤٨١ ]
البرهان الخامس: إخراج النار من الشجر الأخضر
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ١.
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير هذه الآيات: "والجواب الذي لاجواب غيره، أنت يا ربنا هو الذي أنشأت شجرتها، ونحن لا قدرة لنا بذلك. فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أنّ من أنشأ شجرة النار وأخرجها منها قادر على كلّ شيء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار من أدلة البعث جاء موضحًا في (يس) في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٢؛ فقوله في آخر (يس): ﴿توقدون﴾؛ هو معنى قوله في الواقعة: ﴿تورون﴾، وقوله في آية (يس): ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل واضح على أنّ خلق النار من أدلة البعث) ٣.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة، الآيتان [٧١-٧٢] . ٢ سورة يس، الآيتان [٧٩-٨٠] . ٣ أضواء البيان ٧/٧٩٥.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
البرهان السادس: إيلاج الليل بالنهار والنهار بالليل
قال الشيخ الأمين -﵀-: "استدلّ على قدرته على الخلق والبعث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١"٢.
وهذه البراهين التي استدلّ بها الشيخ الأمين -﵀- على النشأة الثانية أدلة واضحة وصريحة من كتاب الله ﷾.
وقد استدلّ بها غيره من العلماء؛ أمثال الإمام ابن القيم -﵀- حيث أورد أكثرها في كتابه إعلام الموقعين٣. وكذلك الإمام ابن أبي العزّ الحنفي شارح الطحاوية؛ ذكر خمسة منها٤.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآيتان [٢٩-٣٠] . ٢ أضواء البيان ٥/٧٣٩. ٣ إعلام الموقعين ١/١٤٠-١٤٣. ٤ شرح الطحاوية ص٤٦٠-٤٦٢.
[ ٢ / ٤٨٣ ]