الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين -﵀- في توضيح عقيدة السلف في اليوم الآخر
تمهيد:
الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان العبد إلا به، فمن أنكره فقد كفر؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٢.
وقد عده رسول الله ﷺ من أركان الإيمان في حديث جبريل المشهور، فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره "٣.
ومن مقدمات اليوم الآخر ما أخبر به رسول الله ﷺ مما يكون قبل الموت من أشراط الساعة وأماراتها، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، والنفخ في الصور، والبعث، والنشور، والحشر، والحوض، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، ورؤية الله ﷾ في الجنة، وغير ذلك من أحوال الآخرة التي أخبرنا الله ورسوله عنها، والتي ينبغي على العبد تصديقها، والعمل بما يجلب مرضاة الله، ويجنب سخطه؛ قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٧٧] . ٢ سورة النساء، الآية [١٣٦] . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٧.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ٢.
وقد اهتم الشيخ الأمين -﵀- بهذا الركن العظيم، فأشار في ثنايا مؤلفاته إلى كثير من أحوال اليوم الآخر، وفصلّ في بعضها، وأجمل في البعض الآخر. ومما فصلّ فيه -﵀- من هذه الأحوال: سماع الموتى، والبعث، والصراط، وأبدية النار، والردّ على من قال بفنائها، وبرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
وسوف أرتب ما ذكره الشيخ -﵀- عن اليوم الآخر، كما يمرّ بها العبد في رحلته إلى دار القرار.
وقد وصف -﵀- رحلة الإنسان من بدء خلقه إلى استقراره في إحدى الدارين في الآخرة، موضحًا سبب تسميتها بالدار الآخرة؛ فقال -﵀-: (وإنما قيل لتلك الدار: الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها البتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محلّ إلى محلّ؛ فأول ابتدائه من التراب، ثمّ انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثمّ إلى العلقة، ثمّ إلى المضغة، ثمّ إلى العظام، ثمّ كسا الله العظام لحمًا، وأنشأها خلقًا آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثمّ ينتقل إلى القبر، ثمّ إلى الحشر، ثمّ يتفرقون ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتا﴾ ٣، فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ٤، فإذا دخل أهل الجنة الجنة،
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية [٣٦] . ٢ سورة الذاريات، الآيتان [٥-٦] . ٣ سورة الزلزلة، الآية [٦] . ٤ سورة الروم، الآيات [١٤-١٦] .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وأهل النار النار، فعند ذلك تلقى عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ويبقى ذلك دائما لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محلّ آخر. فهذا معنى وصفها بالآخرة، كما أوضحه جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١"٢.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآيات [١٢-١٦] . ٢ أضواء البيان ٢٦٣-٢٦٤. وانظر المصدر نفسه ٥/٤٢. ومعارج الصعود ص١٥٢. وهذا المعنى موجود بصوت الشيخ -﵀- في الشريط رقم [٩] من تفسير سورة الأنعام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾ [سورة الأنعام، الآية ٩٢]
[ ٢ / ٤٤٣ ]
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة
تمهيد:
الساعة من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ ١.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بشهر: "تسألونني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة "٢. وكذا حديث جبريل المشهور حين قال للنبيّ ﷺ: فأخبرني عن الساعة؟ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" ٣.
فكل هذه النصوص تدل على أنّ الساعة لا يعلمها إلا الله وحده.
وهذا ما أوضحه الشيخ الأمين -﵀-، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُو﴾ الآية٤:
"هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وقد جاءت آيات أخر تدلّ على ذلك أيضًا كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٨٧] . ٢ أخرجه مسلم في الصحيح ٤/١٩٦٦. ٣ أخرجه مسلم في الصحيح ١/٣٧. ٤ سورة الأعراف، الآية [١٨٧] .
[ ٢ / ٤٤٤ ]
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ١، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ ٢. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية٣"٤.
وإذا كان الله ﷾ قد أخفى الساعة عن الخلق، فقد جعل لها علامات تدلّ على قرب وقوعها، وردت في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
وقد قسم العلماء هذه العلامات إلى علامات صغرى، وعلامات كبرى، وهي كثيرة جدًا.
وقد أشار الشيخ -﵀- إلى بعض هذه العلامات:
_________________
(١) ١ سورة النازعات، الآيات [٤٢-٤٤] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٥٩] . ٣ سورة لقمان، الآية [٣٤] . ٤ أضواء البيان ٣/٣٣٩. وانظر المصدر نفسه ٦/٦٠٤.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
المطلب الأول: بعض العلامات الصغرى
ذكر الشيخ الأمين -﵀- بعض العلامات الدالة على قرب الساعة بطريقة استنباط من نصوص الوحي، مما يدلّ على سعة علمه وفهمه للنصوص وقوة ملكته.
ومن العلامات التي ذكرها الشيخ -﵀-: قيام دولة لليهود في آخر الزمان؛ فقد سئل -﵀-: هل في الكتاب والسنة ما يدلّ على قيام دولة لليهود في آخر الزمان؟ فأجاب -﵀-: "إنه ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ ما يدلّ بالعلامة المعروفة عند الأصوليين بدلالة الشارة على وجود دولة لهم في آخر الزمان. أما النصّ الذي دلّ على ذلك بدلالة الإشارة: فقوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر، وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " رواه البخاري بهذا اللفظ١، ومسلم٢عن أبي هريرة ﵁فهذا نصّ صحيح من النبيّ ﷺ أنه لابد من قتال المسلمين واليهود حتى تكون عاقبة النصر والظفر للمؤمنين. والمقاتلة بحسب الوضع اللغوي تقتضي وجود القتال من طائفتين مقتتلتين؛ لأنّ المفاعلة تقتضي الطرفين وضعا، ومن قوله ﷺ: "تقاتلوا اليهود". على وجود جنس مقاتل من اليهود. وذلك إنما يكون من طائفة
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٣/٢٣٢. ٢ صحيح مسلم ٤/٢٢٣٩.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
متحدة الكلمة تحت طاعة أمير يقاتل بهم، وذلك هو معنى دلالة الحديث على وجود دولة في آخر الزمان؛ لأنهم لو كانوا دائمًا عليهم مضمون قوله تعالى: ﴿وقطعناهم في الأرض أممًا﴾ ١، وكانوا متفرقين غير مجتمعين أبدًا تحت أمير على كلمة واحدة: ما صحّ قتالهم مع المسلمين الذي نصّ عليه الرسول ﷺ في الحديث الصحيح"٢.
من العلامات الصغرى:
وفي مقابل ذلك: فالشيخ -﵀- يؤكد أنّ الإسلام سيظهر في آخر الزمان كما أظهره الله في أوله، فقال -﵀-: "الدين فيما مضى ظهر على جميع الأديان، وعلى الدول الكبار المعروفة؛ كالدولة الكسروية، والدولة القيصرية، ولم يبق منهم إلا من يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، أو مسلم. وانتشر في أقطار الدنيا في شرقها وغربها، وظهر على كلّ الأديان، وسيأتي ذلك في آخر الزمان أيضًا، كما جاء في أحاديث صحيحة كثيرة: أنه لايبقى في آخر الزمان أحد إلا كان مسلمًا، ولم يكن في المعمورة غير دين الإسلام، هذا معنى قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٣، ولو كره المشركون إظهاره"٤.
ولعلّ مما يستشهد به في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٥، وقوله ﷺ: " إن الله زوى لي الأرض فرأيت
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٦٨] . ٢ رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص٢٣٨-٢٣٩. ٣ سورة التوبة، الآية [٣٣] . ٤ الشريط رقم [٥] من تفسير سورة التوبة، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [٣٣] . ٥ سورة النور، الآية [٥٥] .
[ ٢ / ٤٤٧ ]
مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.." ١، وقوله ﷺ: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها.." ٢.
والشيخ -﵀- لم يفصّل في ذلك الانتصار الكبير، متى يتحقق؟ وعلى يد من يكون؟.
وقد ذكر ابن جرير الطبري -﵀- عن بعض العلماء أن ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة٣.
ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن ذلك قبل عيسى، وأن الإسلام ستكون له الغلبة قبل قيام الساعة٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٢١٥. ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٣٦٦. ٣ جامع البيان ١٠/١١٦. ٤ تفسير المنار ١٠/٣٩٢.
[ ٢ / ٤٤٨ ]