المبحث الثاني: القبر
تمهيد:
من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنه إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة.
دلّ على ذلك قوله ﷺ: "إنّ القبر أول منازل الآخرة؛ فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشدّ منه " ١.
قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢، وقال جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٤.
ومن الأحاديث الدالة على عذاب القبر: حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال نبيّ الله ﷺ: "إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم. قال: يأتيه ملكان فيقعدان، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة ". قال نبيّ الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ رواه الترمذي في سننه ٤/٥٥٣، وقال: "حديث حسن غريب". وحسنه الألباني (انظر: صحيح الجامع ١/٣٤٧، رقم ١٦٨٤) . ٢ سورة غافر، الآيتان [٤٥-٤٦] . ٣ سورة السجدة، الآية [٢١] . ٤ سورة إبراهيم، الآية [٢٧] .
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وسلم: " فيراهما جميعًا "١.
وقد تعرض الشيخ الأمين -﵀- لعدة مسائل في هذا الباب، ولبيان هذه المسائل قسمت هذا المبحث إلى مطالب.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح ٢/١٠٢. ومسلم في الصحيح ٤/٢٢٠٠-٢٢٠١، واللفظ له.
[ ٢ / ٤٦١ ]
المطلب الأول: عذاب القبر
ذكر الشيخ الأمين -﵀- أنّ عذاب القبر حقّ لا مرية فيه، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١: "الظاهر أنّ قوله: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، كما دلّ على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَر﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات. لا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك لأنه قد يدخل في ظاهر الآية. وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي، والعلم عند الله تعالى"٤.
هل يعذب الميّت ببكاء أهله عليه؟
تناول الشيخ الأمين -﵀- مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ: "إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "٥، وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه "٦.
وبين -﵀- عدم معارضته، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٧؛ إذ قد يظنّ من لا يعلم أن تعذيب الميت ببكاء الحيّ عليه من مؤاخذة العبد بذنب غيره، وليس الأمر كذلك.
وقد أجاب عن هذه المسألة بجوابين، فقال -﵀-: "الأول: أن يكون
_________________
(١) ١ سورة الطور، الآية [٤٧] . ٢ سورة السجدة، الآية [٢١] . ٣ سورة التوبة، الآية [١٤] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٩٥. وانظر المصدر نفسه ٤/٥٤٨، ٥٥١، ٧/٩٠. ٥ صحيح البخاري ٢/٨٠. ٦ صحيح البخاري ٢/٨٢. ٧ سورة الإسراء، الآية [١٥] .
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الميت أوصى بالنوح عليه؛ كما قال طرفة بن العبد في معلقته:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله
وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه، فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر، وذلك من فعله لا فعل غيره. الثاني: أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأنّ إهماله نهيهم تفريط منه ومخالفة لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا﴾ ١. فتعذيبه إذن بسبب تفريطه وتركه ما أمر به من قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وهذا ظاهر كما ترى" ٢.
قال عبد الله بن المبارك: "إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم يعني العقاب"٣.
هذا عن كلام الشيخ الأمين -﵀- عن عذاب القبر، أما نعيم القبر: فلم أجد له -﵀- كلامًا في ذلك؛ إذ من دأبه -﵀- أنه يفسر القرآن بالقرآن، ولم تأت مناسبة يتحدث فيها عن نعيم القبر.
ويكفي في إثبات عذاب القبر ونعيمه قوله ﷺ: " إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة "٤.
_________________
(١) ١ سورة التحريم، الآية [٦] . ٢ أضواء البيان ٣/٤٧٠-٤٧١ وللقرطبي كلام حول هذا المعنى. (انظر الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٥١) . ٣ انظر أحكام الجنائز للألباني ص٢٩، فقد ذكر قولين في المراد بالتعذيب، الأول: بمعنى التألم والحزن، والثاني: بمعنى العقاب. وهو القول الراجح، وعليه جمهور العلماء. ٤ أخرجه البخاري في الصحيح ٢/١٠٣. ومسلم في الصحيح ٤/٢١٩٩.
[ ٢ / ٤٦٣ ]