التأويل له معان ثلاثة؛ أوضحها الشيخ الأمين ﵀ وفصّلها، وهي:
الأول: بمعنى العاقبة، وما يؤول إليه الحال.
والثاني: بمعنى التفسير.
والثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا الأخير من وضع المتأخرين.
قال الشيخ -﵀- مبينًا هذه الأقسام بأدلتها: "اعلموا أنّ التأويل يطلق في الاصطلاح مشتركًا بين ثلاثة معان:
١- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال. وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٢، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل﴾ ٣: أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال.
٢- ويطلق التأويل بمعنى التفسير، وهذا قول معروف؛ كقول ابن جرير: القول في تأويل قوله تعالى: كذا؛ أي تفسيره.
٣- أما في اصطلاح الأصوليين: "فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [٥٩] . ٢ سورة يونس، الآية [٣٩] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٣] .
[ ١ / ٣١١ ]
المتبادر منه لدليل" ١.
ثمّ بيّن -﵀- أنّ التأويل بمعناه الأخير له ثلاث حالات. وذكر -﵀- تلك الحالات مقرونة بأدلتها، مبينا المقبول منه من غير المقبول؛ فقال -﵀-: وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات:
أ-إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة. وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ومثال هذا النوع: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجار أحقّ بسقبه" ٢؛ فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار.
وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر. إلا أنّ حديث جابر الصحيح: "فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" ٣ دلّ على أنّ المراد بالجار الذي هو أحقّ بصقبه خصوص الشريك المقاسم. فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه. وهذا التأويل يسمى تأويلًا صحيحًا، وتأويلًا قريبًا. ولا مانع منه إذا دلّ عليه النصّ.
ب- الثاني: هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل. فهذا يسمى تأويلًا بعيدًا، ويقال له: فاسد. ومثّل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة -﵀- لفظ
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٢-٣٣. وانظر: أضواء البيان ١/٣٢٩. وذكر هذه الأنواع شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. (انظر العقيدة التدمرية ص٩١) . ٢ أخرجه البخاري ٣/٤٧. والسقب، والصقب: القرب. (حاشية البخاري ٣/٤٧) . ٣ أخرجه البخاري في الصحيح ٣/٤٧ بنحوه، وفيه: «فإذا وقعت» بدل: «فإذا ضربت» .
[ ١ / ٣١٢ ]
امرأة- في قوله ﷺ: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ١؛ قالوا: حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه؛ لأنّ "أي" في قوله: "أيما امرأة" صيغة عموم، وأكدت صيغة العموم بـ "ما" المزيدة للتوكيد.
فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره لغير دليل جازم يجب الرجوع إليه٢.
ثمّ بيّن -﵀- التأويل الذي نحن بصدده، والمعنى في هذا المبحث، والذي ينطبق على تأويل أهل الكلام لصفات الله، وعلى تأويل الباطنية الذين يقولون إنّ لكلّ نص ظاهرًا وباطنًا؛ فيؤولون جميع نصوص الدين بما تشتهي أنفسهم.
وقد بيّن الشيخ -﵀- أنّ هذا النوع لا يستحقّ أن يسمى تأويلًا، وإنما هو اعتداء، وتلاعب بنصوص الشرع؛ فقال -﵀-: "وأما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل: فهذا لا يسمى تأويلا في الاصطلاح، بل يسمى لعبا؛ لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ. ومن هذا تفسير غلاة الروافض قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٣ قالوا: عائشة".
"ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان؛ كقولهم: "استوى" بمعنى "استولى"، فهذا لا يدخل في اسم التأويل، لأنه لا دليل عليه البتة، وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول: لعبا: لأنه تلاعب بكتاب الله جل وعلا من غير دليل ولا
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه ٣/٣٩٩، وقال: حديث حسن. وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٦/٢٤٣: صحيح. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٣-٣٤. وانظر أضواء البيان ١/٣٥٩. ٣ سورة البقرة، الآية [٦٧] .
[ ١ / ٣١٣ ]
مستند. فهذا النوع لا يجوز لأنه تهجم على كلام رب العالمين، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف: أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله، ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه" ١.
وقد ذكر شارح الطحاوية هذه المعاني الثلاثة، فقال عن المعنى الثالث منها: "والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك. وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه، فيه كثير من الأمور الخبرية والطلبية. والتأويل الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد"٢.
والتأويل بالمعنى الثالث طغى على المعنيين الآخرين، وكتب له من الذيوع والانتشار بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين بحيث أصبح هو المتبادر إلى الذهن عند سماع لفظ التأويل، مع أنه لم يكن معروفًا بلغة العرب، ولا عند السلف٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن المعنى الثالث: "وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفًا لما يدّل عليه اللفظ ويبيّنه.
وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وظنّ هؤلاء أنّ قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّه﴾ ٤ يراد به هذا المعنى، ثمّ صاروا في هذا التأويل على طريقين؛ قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله. وقوم يقولون: إنّ الراسخين في العلم يعلمونه. وكلا الطائفتين مخطئة؛
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٣-٣٤.وانظر أضواء البيان ١/٣٣٠. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٥. ٣ انظر قسم الدراسة في تحقيق قانون التأويل/ محمد السلماني ص٢٣٤. وابن تيمية وقضية التأويل ص١٣٣. ٤ سورة آل عمران، الآية [٧] .
[ ١ / ٣١٤ ]
فإنّ هذا التأويل في كثير من المواضع أو أكثرها، وعامتها من باب تحريف الكلم عن مواضعه؛ من جنس تأويلات القرامطة والباطنية. وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب"١.
وقال ابن قدامة -﵀-: "إنّ الصحابة ﵃ أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم. وكذلك أهل كلّ عصر بعدهم، ولم ينقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة" ٢.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن المتأولة أنهم يزعمون أنّ النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحقّ بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف النصوص من مدلولها. ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرف الحقّ من غير جهته. ثم قال -﵀-: وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك٣.
وهؤلاء المؤولة منهم المقلّ ومنهم المكثر من التأويل؛ فالمعتزلة تنفي جميع الصفات، والأشاعرة يرون تأويل بعض الصفات، والجميع من الأشاعرة والمعتزلة يرون الإيمان بنصوص المعاد، وينكرون على الباطنية الذين يؤولونها، لكن للباطنية أن تلزمهم بتأويل نصوص المعاد قياسًا على تأويلهم لنصوص الصفات، فيصبحوا مؤولة لجميع النصوص كالباطنية سواء
_________________
(١) ١ نقض المنطق ص٥٨. وانظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٤٠. ومختصر الصواعق ص١١. وشرح الطحاوية ص٢٣٢-٢٣٧ ٢ ذمّ التأويل ص٤٠. ٣ الفتوى الحموية الكبرى ص٣٨. وانظر كلام شيخ الإسلام عن معاني التأويل الثلاثة في التدمرية ص٩١-٩٢.
[ ١ / ٣١٥ ]
بسواء. أو يثبتوها مثل أهل السنة الذين يثبتون نصوص الكتاب والسنة كما أراد الله جل وعلا١. وبذلك تقوم الحجة على الباطنية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يؤولون النصوص جميعها، أو بعضها.
ولا شك أنّ التأويل بمعناه الأخير معول هدم للدين الإسلامي، وتحريف لكلام الله ﷾ وكلام رسوله ﷺ، فلا يستحقّ هذا المعنى أن يسمى تأويلًا، بل هو تحريف وتلاعب بنصوص الوحي، وفيه من الجناية على العقيدة الإسلامية ما يؤدي إلى هدمها ومسخها في أذهان من اتخذ التأويل طريقًا ومنهجًا نعوذ بالله من ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ١/١١٦-١١٧. والفتوى الحموية ص٣٨. والصفات الإلهية ص١٤٧.
[ ١ / ٣١٦ ]