المبحث السادس: الجنة
الجنة لغة: عرفها الشيخ -﵀- بقوله: والجنة في لغة العرب: البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
كأنّ عيني في غربي مقلة
من النواضح تسقي جنة سحقا
فقوله: جنة سحقا؛ يعني: بستانا طويل النخل.
وفي اصطلاح الشرع: هي دار الكرامة التي أعدّ الله لأوليائه يوم القيامة١، وفيها نهر يطرد، وغرفة عالية، وشجرة مثمرة، وزوجة حسناء. بل فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين؛ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر٢؛ قال رسول الله ﷺ: " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بش ر"٣.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/١٦١. ٢ معارج الصعود ص٨٤. وانظر المصدر نفسه ص٢٦٢. ٣ صحيح مسلم ٤/٢١٧٤.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
المطلب الأول: نعيم الجنة
أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى نعيم الجنة، وصوره وذكر أنّ هذا النعيم باق لايفنى ولاينفذ. وذكر كثيرًا من الآيات التي تتحدث عن أوصاف هذا النعيم المقيم؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن. والعدن في لغة العرب: الإقامة؛ فمعنى جنات عدن: جنات إقامة في النعيم لايرحلون ولايتحولون. وبين في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة على الدوام، كما أشار له هنا بلفظ عدن؛ كقوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ٢، وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣، والمقامة: الإقامة"٤.
ثمّ قال -﵀-: "وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ٥؛ بين أنواع الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ ٦.
وقوله هنا: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ ٧ وضحه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣١] . ٢ سورة الكهف، الآية [١٠٨] . ٣ سورة فاطر، الآية [٣٥] . ٤ أضواء البيان ٣/٢٦٥. ٥ سورة النحل، الآية [٣١] . ٦ سورة محمد، الآية [١٥] . ٧ سورة النحل، الآية [٣١] . ٨ سورة ق، الآية [٣٥] .
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ ٢، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥؛ يدلّ على أنّ تقوى الله هي السبب الذي به تنال الجنة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ ٦. وقوله، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٧. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٨، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ٩، إلى غير ذلك من الآيات"١٠.
وتحدث الشيخ -﵀- عن خلود الجنة وخلود أهلها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ ١١، فقال: "أي خالدين فيه بلا انقطاع. وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١٢؛ أي غير مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ١٣؛ أي ماله انقطاع وانتهاء، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية [٧١] . ٢ سورة الفرقان، الآية [١٦] . ٣ سورة الزمر، الآية [٣٤] . ٤ سورة فصلت، الآيتان [٣١-٣٢] . ٥ سورة النحل، الآية [٣١] . ٦ سورة مريم، الآية [٦٣] . ٧ سورة آل عمران، الآية [١٣٣] . ٨ سورة الحجر، الآية [٤٥] . ٩ سورة الطور، الآية [١٧] . ١٠ أضواء البيان ٣/٢٦٥-٢٦٦. ١١ سورة الكهف، الآية [٣] . ١٢ سورة هود، الآية [١٠٨] . ١٣ سورة ص، الآية [٥٤] .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
بَاقٍ﴾ ١، وقوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
وتحدث الشيخ -﵀- عن نعيم الجنة وملذاتها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤؛ فقال: "وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أنّ الجنة فيها كلّ مشتهى، وكلّ مستلذ: جاء مبسوطا موضحة أنواعه في آيات كثيرة من كتاب الله، وجاء أيضا إجمالا شاملا لكلّ شيء من النعيم. أما إجمال ذلك: ففي قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وأما بسط ذلك وتفصيله: فقد بين القرآن أنّ من ذلك النعيم المذكور في الآية: المشارب، المآكل، والمناكح، والفرش، والسرر، والأواني، وأنواع الحلي، والملابس، والخدم، إلى غير ذلك. وسنذكر بعض الآيات الدالة على كلّ شيء من ذلك: أما المآكل: فقد قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ٦، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية٩، إلى غير ذلك من الآيات.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٩٦] . ٢ سورة الأعلى، الآية [١٧] . ٣ أضواء البيان ٤/١٠. ٤ سورة الزخرف، الآية [٧١] . ٥ سورة السجدة، الآية [١٧] . ٦ سورة الزخرف، الآية [٧٣] . ٧ سورة الواقعة، الآية [٢١] . ٨ سورة الواقعة، الآيتان [٣٢-٣٣] . ٩ سورة البقرة، الآية [٢٥] .
[ ٢ / ٥٠١ ]
أما المشارب: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات
وأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك: ففي آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ٧.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ٨.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ ٩؛ والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب. وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١٠، وقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ١١، وقوله
_________________
(١) ١ سورة الإنسان، الآيتان [٥-٦] . ٢ سورة الإنسان، الآيتان [١٧-١٨] . ٣ سورة الواقعة، الآيتان [١٧-١٩] . ٤ سورة الصافات، الآيتان [٤٥-٤٧] . ٥ سورة محمد، الآية [١٥] . ٦ سورة الحاقة، الآية [٢٤] . ٧ سورة الرحمن، الآية [٥٤] . ٨ سورة يس، الآية [٥٦] . ٩ سورة الواقعة، الآيتان [١٥-١٦] . ١٠ سورة الحجر، الآية [٤٧] . ١١ سورة الغاشية، الآية [١٣] .
[ ٢ / ٥٠٢ ]
تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما خدمهم: فقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الآية٢. وقال تعالى في سورة الإنسان، في صفة هؤلاء الغلمان: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ٣.
وذكر نعيم الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ٤. والآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة، وحسنها، وكمالها؛ كالظلال، والعيون، والأنهار، وغير ذلك، كثيرة جدًا. ولنكتف منها بما ذكرنا" ٥.
وهكذا يصف الشيخ الأمين -﵀- الجنة، ونعيمها، وملذاتها بأبلغ وصف، وفق منهجه في بيان القرآن بالقرآن؛ فيوضح ما أعدّ الله لأوليائه في دار كرامته، وما يتفضل به جل وعلا عليهم من الخلود في النعيم المقيم.
_________________
(١) ١ سورة الرحمن، الآية [٧٦] . ٢ سورة الواقعة، الآية [١٧] . ٣ سورة الإنسان، الآية [١٩] . ٤ سورة الإنسان، الآية [٢٠] . ٥ أضواء البيان ٧/٢٨٣-٢٨٤.
[ ٢ / ٥٠٣ ]