المبحث الثاني: حقيقة الخضر
تمهيد:
الخضر هو صاحب موسى ﵇ الذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ١. وورد ذكره في السنة، في قوله ﷺ: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا الخضر.." الحديث٢.
وقد غلت الصوفية في قصة الخضر، وجعلت منها مصدرًا للوحي والإلهام والعقائد والتشريع: "فقد زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه ولي وليس بنبي، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول ﷺ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها؛ فكما أن الخضر –وهو ولي فقط في زعمهم- كان أعلم من موسى، فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﷺ؛ لأن محمدًا عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٦٥] . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٤/١٢٦. ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٢.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة. وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق، ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية، ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة، فما يكون معصية في الشريعة؛ كشرب الخمر والزنا واللواط قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني. وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل وليّ كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف مع الوحي النبوي"١.
وقد بين العلماء٢ في القديم والحديث حقيقة الخضر، وردوا على هذه المزاعم التي يزعمها الزنادقة، ومن تلاعب بهم الشياطين والهوى.
ومن هؤلاء العلماء: الشيخ الأمين -﵀- الذي تحدث عن أهم الأمور التي تكتنف حياة الخضر، من الخلاف في حياته ونبوته؛ حيث ناقش أدلة القائلين بحياته وعدم نبوته مناقشة دقيقة بالحجج الواضحة، والأدلة الصريحة. ورد ما ينسج حوله من قصص خيالية وروايات موضوعة.
وكذا رد على من جوز العمل بالإلهام، وعلى من قال: إن الولي يسعه الخروج عن الوحي المحمدي كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. وقد وصف الشيخ الأمين -﵀- هذا الصنيع بأنه زندقة.
_________________
(١) ١ الفكر الصوفي ص١٣٣. ٢ فمن هؤلاء ابن الجوزي الذي ألف فيه كتابًا سمي (عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر)، والحافظ ابن حجر أفرده بكتاب سماه (الزهر النضر في نبأ الخضر) . وذكره ابن كثير في (البداية والنهاية)، وابن القيم في (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) .
[ ٢ / ٣٩٦ ]
المطلب الأول: هل الخضر نبي أو ولي؟
قال الشيخ الأمين -﵀-: "العلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؟ كما قال الراجز:
واختلف في خضر أهل العقول
قيل نبي أو ولي أو رسول
وقيل: ملك"١.
ثم رجح -﵀- نبوته ﵇، ونصر هذا القول، واستدل له وفق طريقته في تفسير القرآن بالقرآن؛ فقال -﵀-: "يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوية، وأن هذا العلم اللدني علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء. اعلم أولًا: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية٢؛ أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية٣. وقوله تعالى في آخر القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية٤.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/١٥٨. وانظر: شرح النووي على مسلم ١٥/١٣٦. ٢ سورة الزخرف، الآيتان [٣١-٣٢] . ٣ سورة الدخان، الآيتان [٤-٥] . ٤ سورة القصص، الآية [٨٦] .
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
ثم تابع -﵀- ذكر أدلته في نصرة هذا القول، فقال: "ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لايستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي، قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٤؛ أي وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا، وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البرئية في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لايصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طريق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ ٥، و(إنما) صيغة حصر"٦.
وقد ساق -﵀- أدلة أخرى في تحقيق نبوة الخضر، أبرزها بقوله:
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [١١٣] . ٢ سورة يوسف، الآية [٦٨] . ٣ أضواء البيان ٤/١٥٨. ٤ سورة الكهف، الآية [٨٢] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [٤٥] . ٦ أضواء البيان ٤/١٥٨-١٥٩.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
"ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ١، وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ ٢، مع قول الخضر له: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ "٣ ٤.
وبعد أن أيد -﵀- القول بنبوة الخضر ﵇ بالأدلة الواضحة، تطرق إلى مسألة خطيرة لها مؤيدوها وتابعوها، ألا وهي مسألة كون الولي يجوز له الخروج عن الطريقة المحمدية بطريقة الإلهام، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵉ –بزعمهم-. وقد ناقش الشيخ الأمين -﵀- هذه المسألة مناقشة علمية رصينة، مبينًا تهافت هذه المسألة وسقوط أدلتها، وقد وصفها بأنها مؤامرة خطيرة للانخلاع من دين الإسلام، وفتح باب الشر، وتبرير عمل الزنادقة.
وقد بدأ الشيخ الأمين -﵀- مناقشته لأصحاب هذا المبدأ الهدام بطرح سؤال على ألسنة أصحاب هذا القول؛ فحواه أن علم الخضر كان عن طريق الإلهام، وأجاب عليه -﵀- بقوله: "فالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم الاستدلال به. وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم وغيره، جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، مستدلين بظاهر قوله
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٦٦] . ٢ سورة الكهف، الآية [٦٩] . ٣ سورة الكهف، الآية [٨٦] . ٤ أضواء البيان ٤/١٦٢، وممن قال بنبوته: الإمام القرطبي، (انظر: الجامع لأحكام القرآن ١١/١٢-١٥) .
[ ٢ / ٣٩٩ ]
تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١، وبخبر: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "٢كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهمات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال٣:
وينبذالإلهام بالعراء
أعني به إلهام الأولياء
وقد رآه بعض من تصوفا
وعصمة النبي توجب اقتفاء
وبالجملة: فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة، فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٤، ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهامًا. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٥، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٢٥] . ٢ أخرجه الترمذي ٥/٢٩٨، رقم ٣١٢٧. وقال الشيخ الألباني: ضعيف. (انظر: الأحاديث الضعيفة ٤/٢٩٩، رقم ١٨٢١) . ٣ انظر شرح مراقي السعود على أصول الفقه ص٢٨٨. ٤ سورة الإسراء، الآية [١٥] . ٥ سورة النساء، الآية [١٦٥] .
[ ٢ / ٤٠٠ ]
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِك﴾ الآية١. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًا وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين للتصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقًا باطنة توافق الحق عند الله، ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى –زندقة وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره"٢.
وهكذا يتضح موقف الشيخ الأمين -﵀- من هذه المسألة الخطيرة؛ حيث حشد الأدلة الكثيرة الدالة على نبوة الخضر ﵇، وتعقب ما أثاره المتصوفة من الضلالات والانحرافات بالهدم وبين بالحجة تهافت أدلتهم، وما استغلوه من الحكايات والروايات الضعيفة والموضوعة في إثبات حجتهم المفضية إلى التزندق والخروج من ملة الإسلام.
فمشاركة الشيخ الأمين -﵀- لعلماء الأمة مشاركة بارزة، تدل على رسوخ موقفه في الذود عن حياض العقيدة الصافية، وهكذا كان رأي العلماء المخلصين؛ منهم الحافظ ابن حجر٣ -﵀- الذي قال: "وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزنادقة٤ اعتقاد كون الخضر نبيًا؛
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١٣٤] . ٢ أضواء البيان ٤/١٥١-١٦٠. ٣ هو الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني المصري. من كبار المحدثين، وصاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، منها فتح الباري شرح صحيح البخاري. وتوفي سنة (٨٥٢؟) . (انظر: شذرات الذهب ٧/٢٧٠) . ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "لفظ الزنادقة لا يوجد في كلام النبي ﷺ، كما لا يوجد في القرآن. وهو لفظ أعجمي معرب من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام. وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك. والزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته –في الظاهر المراد به عندهم- المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن كان من ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطلًا للصانع وللنبوة، أو للنبوة فقط، أو لنبوة نبينا ﷺ فقط: فهذا زنديق، وهو منافق. وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين". (نقلًا عن لوامع الأنوار البهية ١/٣٩٤) .
[ ٢ / ٤٠١ ]
لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي، إلا أن الولي أفضل من النبي، كما قال قائلهم:
مقام النبوة في برزخ
فويق الرسول ودون الولي "١.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة تتعلق بمسألتنا هذه، قال فيها -﵀-: "فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنًا وظاهرًا، فلم يتابعه باطنًا وظاهرًا فهو كافر. ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطًا من وجهين، أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد ﷺ فرسالته عامة لجميع الثقلين، الجن والأنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى، وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا. ولهذا قال الخضر لموسى: "أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"٢، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.
الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك"٣.
_________________
(١) ١ الزهر النضر في نبأ الخضر، لابن حجر ص٢٧. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ١٠/٢٠٤: أن البيت المذكور لابن عربي، وفي لطائف الأسرار لابن عربي ص٤٦، ط دار الفكر العربي، ١٣٨٠؟.ونصه: سماء النبوة في برزخ دوين الولي وفوق الرسول وانظر الفتوحات الكلية ٢/٣٥٢ بألفاظ مغايرة. ٢ رواه البخاري في الصحيح ٤/١٢٨. ومسلم في الصحيح ٤/١٨٤٧. ٣ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٤١-١٤٢، وانظر: الفتاوى ٢/٢٣٢-٢٣٤، ١١/٤٢٥.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي -﵀-: "وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵇ في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق فهو ملحد زنديق؛ فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته، ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد. فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق؛ فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان. وهذا الموضوع مفرق بين زنادقة القوم وأهل الاستقامة"١.
وبهذا يتبين دقة فهم الشيخ الأمين -﵀- لعقيدة السلف –﵏-؛ إذ من قرأ كلماته، وقرأ كلام السلف -﵏- أدرك مدى التوافق والتطابق بين منهج الشيخ -﵀- ومنهجهم، وهذا يدل على أنهم يردون موردًا واحدًا، ويصدرون عن المورد نفسه.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص٥٧٧.
[ ٢ / ٤٠٣ ]