بعد أن ذكر الشيخ الأمين رحمه الله تعالى البراهين العظيمة الدالة على أن المعبود بحق هو الله ﷾ المتصف بصفات الجلال والكمال أكد أن هناك براهين قطعية دلت على أن الآلهة المعبودة من دون الله باطلة، وعبادتها لا يرضى بها صاحب العقل السليم؛ إذ إنها متصفة بصفات النقص الدالة على العجز، والتي ينزه المعبود بحق عن الاتصاف بها.
يقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى؛ ﴿َاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه متصفة بستة أشياء، وكل واحدة منها برهان قاطع أن عبادتها مع الله لاوجه له بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم، وهذا بعد أن أثنى الله على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها، التي هي براهين قاطعة على أن المتصف بها المعبود وحده.
والأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله:
الأول منها: أنها لا تخلق شيئًا؛ أي لا تقدر على خلق شيء.
والثاني: أنها مخلوقة كلها؛ أي خلقها خالق كل شيء.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [٣] .
[ ١ / ١٥٣ ]
والثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضرًا ولا نفعًا.
والرابع والخامس والسادس: أنها لاتملك موتًا، ولاحياة، ولانشورًا؛ أي بعثا بعد الموت. وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى" ١.
ثم ذكر -﵀- الآيات الدالة على هذا المعنى.
فاستدل للأمر الأول؛ وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئًا، بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية٢. وبقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ٣.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق ومن لا يخلق، لأن من يخلق هو المعبود، ومن لايخلق لاتصح عبادته:
كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية٤: أي: وأما من لم يخلقكم فليس برب، ولا بمعبود لكم كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٦؛ أي ومن كان كذلك فهو المعبود وحده جل وعلا. وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٦/٢٦٩. ٢ سورة الحج، الآية [٧٣] . ٣ سورة الكهف، الآية [٥١] . ٤ سورة البقرة، الآية [٢١] . ٥ سورة النحل، الآية [١٧] . ٦ سورة الرعد، الآية [١٩] . ٧ سورة الأعراف، الآية [١٩١] .
[ ١ / ١٥٤ ]
واستدل للأمر الثاني؛ وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله مخلوقه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٢.
واستدل للأمر الثالث؛ وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا بقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣ –ومن لا ينصر نفسه فهو لا يملك لها ضرًا ولا نفعًا-، وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٤.
واستدل للأمر الرابع والخامس والسادس؛ وهي كونهم لايملكون موتًا ولاحياة ولانشورًا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥؛ فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية؛ ومنه الحياة المعبر عنها بـ"خلقكم"، والموت المعبر عنه بقوله: "ثم يميتكم"، والنشور المعبر عنها بقوله: "ثم يحييكم".
وبين أنهم لا يملكون حياة ولانشورا في قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه﴾ الآية٦.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٢٠] . ٢ سورة الأعراف، الآية [١٩١] . ٣ سورة الأعراف، الآيتان [١٩١-١٩٢] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١٩٧] . ٥ سورة الروم، الآية [٤٠] . ٦ سورة يونس، الآية [٣٤] .
[ ١ / ١٥٥ ]
وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلآ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية٢. إلى آخر ما أورده الشيخ -﵀- من أدلة في هذا الباب٣.
فالشيخ -﵀- يهتم بإبراز براهين التوحيد، ويعرضها بأسلوبه، وعلى طريقته في تفسير القرآن بالقرآن، مؤكدًا دلالتها على أن الله تعالى هو المعبود بحق وحده لا شريك له، وأن عبادة من دونه من أظلم الظلم، ومن الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار –عياذا بالله تعالى-.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٤٥] . ٢ سورة المنافقون، الآية [١١] . ٣ انظر أضواء البيان ٦/٢٦٩-٢٧١.وانظر أيضًا: المصدر نفسه٤/٣١، ٣٢، ٥/٨٣٣. وقد أشار الرازي إلى هذه البراهين في تفسيره (التفسير الكبير ٢٤/٤٨) .
[ ١ / ١٥٦ ]