علم الغيب من خصائص الله ﷾، فلا يعلم الغيب إلا هو؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ ١وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ ٢.
والغيب كما ذكر الشيخ الأمين -﵀-: "يطلق على كل ما غاب من المعلومات"٣.
وهو يؤكد -﵀- أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وقد يطلع من شاء من رسله على شيء من المغيبات. يقول -﵀-: "أعلم المخلوقات وهم الرسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما يشاء؛ كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية٥ "٦.
لذلك فقد بين -﵀- أن جميع وسائل ادعاء الاطلاع على الغيب هي من الضلال الذي نهى الله عنه، وليس لنا إلا ما أطلع الله عليه رسوله،
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٥٩] . ٣ معارج الصعود ص١٠٠. وقد عرفه صاحب الصحاح (١/١٩٦): بأنه كل من غاب عنك. وانظر: تهذيب اللغة ٨/٢١٤. ٤ سورة آل عمران، الآية [١٧٩.] ٥ سورة الجنّ، الآيتان [٢٦-٢٧] . ٦ أضواء البيان ٢/١٩٦-١٩٧.
[ ١ / ١٩٨ ]
وأخبرنا به ﷺ، فيقول -﵀- موضحًا هذا المعنى:
"لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لايعلمه إلا الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين. وبعض منها مايكون كفرًا ولذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" ١. ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة٢. والكهانة٣، والعرافة٤، والطرق٥، والزجر٦، والنجوم. وكل ذلك يدخل في الكهانة، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب، وقد سئل ﷺ عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء" ٧" ٨.
ويؤكد الشيخ الأمين -﵀- أن ليس للعباد تسلط إلى معرفة الغيب، وأن جميع الطرق التي يدعي أصحابها أنها تنبىء عن الغائب كلها من البهتان. وهذا ما أوضحه الإمام القرطبي٩ -﵀- بقوله: "قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم٤/١٧٥١، إلا أنه قال:"ليلة"بدل"يوما". ٢ هي زجر الطير للتفاؤل، والتشاؤم بأسمائها وأصواتها وممرها. (انظر: اللسان ١١/١٦٧. وتهذيب اللغة ٣/٢٣١) . ٣ الكهانة مثل العرافة –كما سيأتي- (انظر: الصحاح ٦/٢١٩١. وتهذيب اللغة ٦/٢٤. واللسان ١٧/٢٤٤-٢٤٥) . ٤ العراف: هو الحازي أو المنجم الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. (انظر: الصحاح ٤/١٤٠٢. وتهذيب اللغة ٢/٣٤٧ واللسان ١١/١٤٢. ٥ هو الضرب بالحصى، والخط في التراب، وهو ضرب من التكهن. (انظر: الصحاح ٤/١٥١٥. وتهذيب اللغة ١٦/٢٢٤، واللسان ١٢/٨٥) . ٦ ويكون للطير، وغيرها للتيمن بسنوحها، أو التشاؤم ببروحها، وهو ضرب من التكهن. (انظر: الصحاح ٢/٦٦٨. وتهذيب اللغة ١٠/٦٠٢) . ٧ أخرجه البخاري ٧/٨٢؛ ومسلم ٤/١٧٥٠. ٨ أضواء البيان ٢/١٩٧. ٩ هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي من كبار المفسرين. رحل إلى المشرق واستقر بمنية ابن خصيب في صعيد مصر. وتوفي ودفن بها سنة (٦٧١؟) . وانظر: شذرات الذهب ٥/٣٣٥.
[ ١ / ١٩٩ ]
خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على مايشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه" ١.
إذًا: فادعاء معرفة الأمور الغائبة ليس بالأمر الهيّن، بل هو زعم بمشاركة الله تعالى الذي لايعلم الغيب أحد سواه في علمه، ولذلك يبين الشيخ الأمين -﵀- أن بعض أهل العلم قد كفر من يدعي معرفة الغيب، ويسوق الأدلة التي استدلوا بها فيقول: "ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الاطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما أستأثر الله تعالى به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك؛ كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ ٢. وقوله هنا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُو﴾ " ٣.
وماذكره الشيخ -﵀- من أن مدعي الغيب كافر هو القول الحق الذي تنصره الأدلة الصريحة الدالة على أن الغيب لله وحده، وأنه من خصائص ألوهيته وربوبيته جل وعلا. والمتطاول إلى معرفة الغيب هو في الحقيقة مدع لمشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به. ولا شك في كفر من ادعى هذه المنزلة.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/١٩. ٢ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٣ أضواء البيان ٢/١٩٩.
[ ١ / ٢٠٠ ]
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي١ -﵀- موضحًا هذا الأمر: "إن الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك؛ بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله" ٢.
وبذلك يتبين كفر من ادعى علم الغيب بأي طريقة من الطرق الشيطانية؛ إذ إنه زعم لنفسه ما اختص الله به دون خلقه، وكذب بالقرآن العظيم، وبآياته الكريمة التي ذكر الله جل وعلا فيها أنه لايعلم الغيب أحد سواه جل وعلا.
_________________
(١) ١ هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن محمد آل سعدي. ينتهي نسبه إلى بني عمرو من قبيلة تميم. ولد في عنيزة سنة (١٣٠٧هـ)، وتوفي بها سنة (١٣٧٦هـ) . (انظر: علماء نجد ٢/٤٢٢. والأعلام ٣/٣٤٠) . ٢ القول السديد في مقاصد التوحيد ص٨٤-٨٥.
[ ١ / ٢٠١ ]