اهتم الشيخ الأمين -﵀- ببيان خطورة الغلو في مدح الرسول ﷺ وتعظيمه، وخلع بعض صفات الألوهية أو الربوبية عليه. وقد وصف فاعل ذلك بأنه من أعداء الله ورسوله، ومن الكاذبين في ادعائهم محبة رسول الله ﷺ.
وبالمقابل نهى عن الاستخفاف برسول الله والاستهزاء به وترك تعظيمه بما هو أهله. وبين أن ذلك كفر مخرج من الملة؛ إذ كلا الطرفين ذميم.
وقد أكد الشيخ -﵀- أن الواجب في حقه احترامه ﵇ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ووصفه بما يليق به لكونه بشر اختصه الله تعالى بالرسالة؛ فقال -﵀-: "اعلم أن عدم احترام النبي ﷺ المشعر بالغض منه أو تنقصه ﷺ والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله. وقد قال تعالى في الذين استهزءّوا بالنبي ﷺ، وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١"٢.
ثم أشار -﵀- إلى الطرف الآخر؛ وهو الغلو فيه صلوات الله وسلامه عليه، فقال: "واعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلًا متدينًا في زعمه،
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية [٦٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٦١٧-٦١٨.
[ ٢ / ٤١٩ ]
مدعيًا حب النبي ﷺ وتعظيمه وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وأنزل الماء من السماء، وأنبت به الحدائق ذات البهجة. وأنه ﷺ، هو الذي جعل الأرض قرارًا، وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا فإن ذلك العاقل لايشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله، المتعدين لحدود الله"١.
وقد سئل -﵀-: هل العالم كله مخلوق ومرزوق من بركة النبي ﷺ؟ فأجاب بأن الحكم التي خلق من أجلها العالم ورزق، كلها إلهية ربانية، لا نبوية. ثم ساق البراهين والأدلة من القرآن الكريم، والتي تنص على أن الله خلق الخلق لعبادته إلى أن قال -﵀- في آخر الجواب: "وعلى كل حال فسيدنا وسيد الخلائق كلها محمد ﷺ أعطاه الله جل وعلا من التشريف والتعظيم والتكريم وعلو الشأن في العالم العلوي والسفلي مما هو ثابت في كتاب الله والسنة الصحيحة ما هو في أشد الغنى عن ادعاء تعظيمه بأمور لا أساس لها، ولا مستند لها البتة، ولم يقل ﷺ حرفًا منها. فعلى المسلم أن يتثبت ويتحفظ، وألا يقول على نبينا ﷺ شيئًا إلا بعد ثبوت صحته؛ لأنه ﷺ روى عنه سبعون من أصحابه، أنه قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٢. وعلى كل حال، فمن المعلوم الواضح أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: إن فرعون، وهامان، وقارون، وعاقر ناقة صالح، وأبا جهل، وأمية بن خلف، ونحوهم من أئمة الكفر خلقوا من بركة سيدنا محمد، ﷺ، وكذلك
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٧/٦٢٤. (وأن ذلك المدح شرك في الربوبية والألوهية معًا) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٠، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
سائر المشركين والكفار؛ لأنه ﷺ خير كله، ولا ينشأ عنه إلا خير محض، كما لا يخفى"١.
ثم أرشد -﵀- إلى الواجب على المسلم من معرفة حق الله وحق رسوله ﷺ، ومن المحبة الصادقة والتعظيم المطلوب من العباد لرسول الله ﷺ؛ فقال: "فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا محمد ﷺ باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له، والاقتداء به في كل ما جاء به. وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئًا يشعر بعدم التعظيم والاحترام؛ كرفع الأصوات قرب قبره ﷺ. وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ التعظيم الموافق لما جاء به ﷺ، ويتركوا ما يسميه الجهلة محبة وتعظيمًا، وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله ﷺ. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ "٢ ٣.
وقد أوضح -﵀- أن المحبة الصحيحة لرسول الله ﷺ هي التي تبعث على الاقتداء بهديه، والاتباع لسنته، وترك ما يخالف سبيله ﵇، فقال -﵀-: "إن علامة المحبة الصادقة لله
_________________
(١) ١ نقلًا عن رسالة مخطوطة صغيرة الحجم، هي عبارة عن جواب لسؤال ورد عليه من أحد أمراء بلاد شنقيط، يسأله: هل الخلق مخلوق ومرزوق ببركة النبي ﷺ؟. وقد توسع -﵀- في الإجابة عن هذا السؤال، والمخطوطة تقع في إحدى عشرة صفحة. ٢ سورة النساء، الآيتان [١٢٣-١٢٤] . ٣ أضواء البيان ٧/٦٢٥.
[ ٢ / ٤٢١ ]
ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ. فالذي يخالف ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبًا له لأطاعه. ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر:
لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحبّ لمن يحب مطيع "١.
فالشيخ الأمين -﵀- يرشد إخوانه المسلمين إلى عدم الإفراط أو التفريط في تعظيم الرسول ﷺ، فلا يعطى صفات الألوهية، ولا ينقص قدره وحقه من الاحترام والمحبة التي من أبرز علاماتها الاتباع لشرعه وترسم خطاه، والسير على هديه ﵊.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ١/٣٤٠. انظر: ديوان الشافعي ص٩٢.
[ ٢ / ٤٢٢ ]