خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.
وقد دلّ على خروجهم الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ ٢.
وأما من السنة فما روته زينب بنت جحش، ﵂: أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "، وحلق بأصبعيه، الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟.قال: "نعم إذا كثر الخبث" ٣.
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، ﵁، قال: اطلع النبيّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات "، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [٩٦] . ٢ سورة الكهف، الآية [٩٢-٩٤] . ٣ صحيح البخاري ٤/١٠٩. وصحيح مسلم ٤/٢٢٠٧.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
عيسى ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"١.
وقد سلك الشيخ الأمين -﵀- مسلك السلف في الإيمان بهذه العلامة التي تكون في آخر الزمان دليلًا على قرب قيام الساعة؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ ٢: "إنّ هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أنّ السدّ الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكًا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه، وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ٣"٤.
ثمّ تعرض -﵀- إلى زعم المعاصرين أنّ يأجوج ومأجوج هم روسية، وأنّ السدّ فتح منذ زمن طويل٥، فردّ هذا القول وفنّده لمصادمته للنصوص الصريحة، وحكى شبهتهم وبين تفاهتها؛ فقال -﵀-:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢٢٢٥-٢٢٢٦. ٢ سورة الكهف، الآية [٩٨] . ٣ سورة الكهف، الآيتان [٩٨-٩٩] . ٤ أضواء البيان ٤/١٨١. ٥ لم أجد من ذكر أنهم روسية، إلا أنّ الشيخ سيد قطب -﵀- يرى (في كتابه ظلال القرآن ٤/٢٢٩٤) من باب الترجيح لا من باب اليقين أنّ يأجوج ومأجوج هم التتار الذين دمروا الخلافة العباسية وأفسدوا في الأرض. وللشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- رسالة مطبوعة ضمن كتاب الصين، جمع/الشيخ عبد العزيز المسند ص٧٧، أثبت فيها أنّ يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن من الروس وغيرهم من أمم الكفر، لكنه -﵀- يرى في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن ٥/٢٦٣) أنهم أمة تخرج في آخر الزمان، وأنّ السدّ باق إلى الآن. وقد أثبت د/عبد الرزاق العباد في رسالته "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في العقيدة" (ص٥٥) أن التفسير آخر مؤلفات الشيخ السعدي، فلعله رجع عن قوله هذا.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
"فإذا قيل: إنما تدلّ الآيات المذكورة في الكهف والأنبياء على مطلق اقتراب يوم القيامة؛ من دكّ السدّ واقترابه من يوم القيامة، لا ينافي كونه قد وقع بالفعل، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية١. وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٢، وقال النّبي ﷺ: "ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه –وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها " الحديث٣ فقد دلّ القرآن والسنة الصحيحة على أنّ اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، فلا ينافي دكّ السدّ الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدكّ السدّ إلى الآن"٤.
وقد أجاب -﵀- على هذه الشبهة، فقال: "فالجواب ما قدمنا أنّ هذا البيان بهذه الآيات ليس وافيًا بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن"٥.
ثمّ ساق -﵀- حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل، المرفوع إلى رسول الله ﷺ، وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حدب ينسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبيّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبيّ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [١] . ٢ سورة القمر، الآية [١] . ٣ سبق تخريجه. ٤ أضواء البيان ٤/١٨٢-١٨٣. ٥ المصدر نفسه ٤/١٨٣.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف١في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثمّ يهبط نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت٢فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثمّ يرسل الله مطرًا لا يكنّ منه بيت مدر٣ولا وبر٤، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة٥، ثمّ يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك." ٦٧.
ثم عقب -﵀- على هذا الحديث بقوله: "وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ بأن الله يوحي إلى عيسى بن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال.
فمن يدعي لأنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق ﷺ، فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يعارض هذا الحديث
_________________
(١) ١ النغف عند العرب: ديدان تولد في أجواف الحيوان من الناس وغيرهم. وفي أنوف الإبل والغنم. (انظر تهذيب اللغة ٨/١٤٦) . ٢ البخت: معرب، وهو الإبل الخراسانية، تنتج بين الإبل العربيةوالفالج. (انظر تهذيب اللغة ٧/٣١٢) . ٣ المدر: قطع الطيب اليابس. ومنه سميت القرية المبنية بالطين واللبن: المدرة. (انظر تهذيب اللغة ١٤/٢٢١-٢٢٢) . ٤ الوبر: الوبر صوف الإبل والأرنب وما أشبهها. (انظر تهذيب اللغة ١٥/٢٦٤) . ٥ الزلف: وجه المرآة. ويقال: البركة تطفح مثل الزلف. وقيل: الصحفة، وقيل: الروضة. (انظر تهذيب اللغة ١٣/٢١٢) . ٦ أخرجه مسلم ٤/٢٢٥٣-٢٢٥٤. ٧ أضواء البيان ٤/١٨٣.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود"١.
ثم ذكر الشيخ الأمين –﵀- شبهة عقلية توصلوا بها إلى نفي وجود يأجوج وراء السد إلى الآن، وهي زعمهم أنه لو كانوا وراء السد الآن لاطلع عليهم الناس، لتطور وسائل المواصلات، لكن لما لم يطلع عليهم أحد فليسوا وراء السد. وبذلك نفوا وجودهم.
وقد نقض الشيخ الأمين –﵀- هذه الشبهة العقلية، وردّ عليها، فقال: "فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السدّ إلى الآن لاطلع عليهم الناس. غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الآية٢؛ وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم، ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق. وعلى كلّ حال فربك فعّال لما يريد، وأخبار رسوله ﷺ الثابتة عنه صادقة."٣.
فالشيخ -﵀-، لا يرضى هذا القول الذي يمسّ العقيدة ويصادمها، والذي ينبني على أدلة باطلة وتوهمات فاسدة، بل يقف -﵀- أمامه فيكشف عواره، ويرده بالحجج القوية والبراهين الناصعة ليحصل الاطمئنان إلى المعتقد الصحيح، وليزهق الباطل وينتصر الحقّ.
وما ذكره الشيخ الأمين –﵀- في يأجوج ومأجوج، ووضحه بأسلوبه القويّ المقنع، وفنّد أقوال أصحاب التأويلات الفاسدة في هذا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/١٨٥. ٢ سورة المائدة، الآية [٢٦] . ٣ أضواء البيان ٤/١٨٦.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
الباب، كلّ ذلك من الأدلة علىاقتفائه أثر سلف هذه الأمة ﵏ الذين وضحوا هذا المعتقد أيما إيضاح، وردوا على المخالفين لهذه العقيدة المبنية على الكتاب والسنة.
فهذا ابن قدامة -﵀- يقول: "ويجب الإيمان بكلّ ما أخبر به النبيّ ﷺ، وصحّ به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حقّ وصدق. وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صحّ به النقل"١.
وقال شارح الطحاوية: "وأحاديث الدجال، وعيسى بن مريم ﵇ ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم، يضيق هذا المختصر عن بسطها"٢.
_________________
(١) ١ لمعة الاعتقاد ص ٢٤، ٢٥، ٢٦. ٢ شرح الطحاوية ص٥٦٥.
[ ٢ / ٤٥٩ ]