الله ﷾ اصطفى لرسالته وتبليغها أفضل خلقه، وأكملهم خِلقًا وخُلقًا، وعصمهم من الزلات والخطايا، وبرأهم من كل عيب مَشين، حتى يؤدوا أمانة الوحي إلى أممهم.
والأنبياء هم قدوة البشر، وطرق الهدى، ومصابيح الدجى، فهم الهداة الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀- هذه المسألة، وأبان التفصيل فيها مبينًا الإجماع على القول بعصمتهم في التبليغ، وذاكرًا الخلاف في عصمتهم من الصغائر، ومؤكدًا أن الصغائر إذا صدرت منهم فإنهم سرعان ما يتوبون إلى الله وينيبون إليه، فتكون كأن لم تكن، وينالون بذلك منزلة أعلى من منزلتهم السابقة، فقال -﵀-: "واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافًا مشهورًا معروفًا في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [٧٣] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٩٠] .
[ ٢ / ٣٨٧ ]
حتى يبلغوا درجة أعلى من درجة من لم يقع منه ذلك، كما قال هنا: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ١"٢.
وقال -﵀- في موضع آخر بعد أن ذكر أقوال العلماء في عصمة الأنبياء: "الذي يظهر لنا أن الصواب في هذه المسألة أن الأنبياء –صلوات الله وسلامه عليهم- لم يقع منهم ما يزري بمراتبهم العلية ومناصبهم السامية، ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصًا فيهم صلوات الله وسلامه عليهم. ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب فإنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة والإخلاص وصدق الإنابة إلى الله، حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئًا من ذلك. ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٣فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه واجتبائه، أي اصطفائه إياه وهدايته له. ولاشك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قل ارتكاب تلك الزلة. والعلم عند الله تعالى"٤.
وقول الشيخ الأمين –﵀- مطابق تمام المطابقة لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، الذي قال: "الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه..–إلى أن قال ﵀-:
_________________
(١) ١ سورة طه، الآيتان [١٢١-١٢٢] . ٢ أضواء البيان ٤/٥٢٢-٥٢٣. ٣ سورة طه، الآيتان [١٢١-١٢٢] . ٤ أضواء البيان ٤/٥٣٨.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع..والقول الذي عليه جمهور الناس –وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف- إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا"١.
_________________
(١) ١ فتاوى شيخ الإسلام ١٠/٢٨٩-٢٩٣. وانظر المصدر نفسه ٤/٣١٩-٣٢٠، ١٥/١٤٧-١٤٨.
[ ٢ / ٣٨٩ ]