ذكر العلماء ﵏ قواعد وأصولًا يقوم عليها هذا النوع من أنواع التوحيد؛ (أعني توحيد الأسماء والصفات) . وقد حرصوا على استنباطها ووضعها بغية تسهيل فهم هذا العلم ومعرفته وحفظه.
ومن هؤلاء العلماء الذين اهتموا بهذا الجانب: الشيخ الأمين –﵀-؛ فقد جعل لإثبات الصفات والردّ على المخالف قواعد ملزمة فيها تقرير للمعتقد الصحيح.
أولى هذه القواعد: القول في الصفات جميعها من باب واحد:
قال -﵀-: "أولًا: أن يعلم طالب العلم أنّ جميع الصفات من باب واحد؛ إذ لا فرق بينها البتة؛ لأنّ الموصوف بها واحد. وهو جلّ وعلا لا يشبه الخلق في شيء من صفاتهم البتة، فكما أنكم أثبتم له سمعًا وبصرًا لائقين بجلاله لا يشبهان شيئًا من أسماع الحوادث وأبصارهم، فكذلك يلزم أن تجروا هذا بعينه في صفة الاستواء، والنزول، والمجيء، إلى غير ذلك من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه. واعلموا أن ربّ السموات والأرض يستحيل عقلًا أن يصف نفسه بما يلزم محذور ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص كل ذلك مستحيل عقلا؛ فإنّ الله لا يصف نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١"٢.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٧. وانظر: أضواء البيان ٢/٣١٨. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٦.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وهذه القاعدة التي ذكرها الشيخ -﵀- تتضمن إثبات الصفات جميعها، وتردّ على الأشاعرة الذين أثبتوا بعضها، ونفوا البعض الآخر. ففيها من الإلزام والقوة في الرد على المخالف ما يجعله يذعن ويستسلم للحقّ ممن ينشده، لأن من الأمور البديهية عدم التفريق بين المتماثلين إلا بدليل، وقد دل السمع والعقل على أنه لا يجوز التفريق بين الصفات، وإلا كان تحكمًا وقولًا على الله بغير علم، وتنكبا للطريق المستقيم. فمن حاول أن يثبت البعض وينفي البعض الآخر فهو واقع في التناقض والاضطراب، وليس أمامه إلا أن يثبت جميع الصفات كما يليق بجلاله، لذلك يقول الشيخ الأمين –﵀-: "فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد. فما وصف الله به نفسه منها فهو حقً، وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئا من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلوقون منها فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"١.
وقد سبق الشيخ الأمين –﵀- في تقرير هذه القاعدة وإيضاحها شيخُ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وردّ بها على من فرق بين الصفات، وهم الأشاعرة. فقال -﵀-: "فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، يجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له:
لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٣.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به" ١.
وخلاصة القول: أن هذه القاعدة العظيمة حجة لمن أثبت جميع الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، ولم يفرق بينها؛ لأن طريقها واحد من حيث الإثبات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية؛ فالذي قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢هو الذي قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣، والجميع لا نعلم كيفيته، لأنه قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥، وقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٦.
القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات٧:
في هذه القاعدة يردّ الشيخ الأمين –﵀- على الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات؛ وهم المعتزلة، فيقول لهم: كما أنكم تثبتون لله ذاتًا حقيقية على مايليق بجلاله من غير تشبيه لذات الخالق بذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ثابتة بنفس المنهج ونفس الطريقة، إذ لا يعقل أن توجد ذات مجردة عن الصفات، فكما أنّ لله ذاتًا لا تشابه ذوات المخلوقين، فكذلك لله صفات لا تشابه صفات المخلوقين.
وبهذه الطريقة نلزمهم إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله.
وفي تقرير هذه القاعدة يقول الشيخ الأمين –﵀-: "الثاني: أن تعلموا أن الصفات والذات من باب واحد؛ فكما أننا نثبت ذات الله جلّ
_________________
(١) ١ العقيدة التدمرية ص٣١. ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ سورة المائدة، الآية [٦٤] . ٤ سورة الشورى، الآية [١١] . ٥ سورة مريم، الآية [٦٥] . ٦ سورة الإخلاص، الآيتان [٣-٤] . ٧ راجع: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٨. وأضواء البيان ٢/٣١٨. ومعارج الصعود ص١١٤.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وعلا إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية مكيفة محددة، فكذلك نثبت لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات إثبات إيمان ووجود لا إثبات كيفية وتحديد" ١.
وهذا ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في العقيدة التدمرية فقال: "القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل صفات سائر الذوات" ٢.
وهذا ما قرره أيضًا الخطيب البغدادي٣ -﵀- حين قال: "أما الكلام في الصفات: فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العلمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف" ٤.
وبهذا يتضح لنا أنّ الشيخ الأمين –﵀- متبع للسلف مقتف لآثارهم، فهو حين يقرر هذه القاعدة يسلك مسلكهم ويتبنى ماقرروه،
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٨. وأضواء البيان ٢/٣١٨. ومعارج الصعود ص١١٤. ٢ العقيدة التدميرية ص٤٣. ٣ هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي الحافظ المحدث المؤرخ المعروف بالخطيب. أحد الأئمة الأعلام، وصاحب التواليف المنتشرة في بلاد الإسلام. من أشهر مصنفاته تاريخ بغداد. ولد سنة (٣٩٥؟) . وتوفي سنة (٤٦٣؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٢٧٠. ووفيات الأعيان ١/٩٢. وشذرات الذهب ٣/٣١١) . ٤ ذم التأويل لابن قدامة ص١٥. وكذا ذكر الذهبي كلام الخطيب في تذكرة الحفاظ ٣/١١٤٢.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ويأخذ بهذه القاعدة العظيمة الملزمة لمن فرق بين الأسماء والصفات، أو بين الصفات والذات؛ إذ لا يعقل أن نثبت الأسماء وننفي الصفات، أو نثبت الذات وننفي الصفات، إذا لجميع من باب واحد.
ولا ريب أن هذه القاعدة ملزمة للمعطل: إما أن يثبت الصفات كما أثبت الذات من غير معرفة الكيفية، أو ينفي ما أثبته من الأسماء أو الذات فيكون بذلك نافيًا لوجود الله، لأنه فرق بين الذات وبن الصفات من حيث الإثبات.
القاعدة الثالثة: آيات الصفات ليست من المتشابه:
أراد الشيخ الأمين –﵀- بإيراد هذه القاعدة أن يردّ على من قال بأنّ آيات الصفات من المتشابه. وهم المفوضة الذين يجعلون معرفة معاني آيات الصفات مما استأثر الله بعلمه، وبذلك لا يثبتون لها معاني صحيحة١، بل يقولون: إن هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء يخالف ظاهرها، ويوجبون تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجيزون الخوض في تفسيرها٢. ويقولون أيضًا: إن صفات الله من العقائد التي لا يكتفي فيها بالظن، بل لا بد من اليقين، ولا سبيل إليه. لذلك نتوقف ونكل التعيين إلى العليم الخبير٣.
فالشيخ الأمين -﵀- يردّ بهذه القاعدة الجليلة على هذا القول، ويؤكد أن آيات الصفات ليست من المتشابه، وإنما كيفية الصفات من المتشابه الذي لا نعلمه، والذي نكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى٤. وأما إثبات
_________________
(١) ١ انظر قانون التأويل لابن العربي ص٦٦٦. وقال السيوطي في كتابه «الاتقان» (٢/٧): «من المتشابه: آيات الصفات» . ٢ أساس التقديس للرازي ص٢٢٣. ٣ مناهل العرفان للزرقاني ٢/١٨٣-١٨٦. ٤ انظر: التحفة المهدية ص٢٣٤.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الصفة على ما يليق بجلاله فهذا ليس من المتشابه؛ قال -﵀-: "اعلموا أن آيات الصفات كثير من الناس يطلق عليها اسم المتشابه، وهذا من جهة غلط، ومن جهة قد يسوغ؛ كما بينه الإمام مالك بن أنس بقوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب"١، كذلك يقال في النزول: النزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب. واطرده في جميع الصفات؛ لأن هذه الصفات معروفة عند العرب. إلا أن ما وصف به خالق السموات والأرض أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئًا من صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق جلّ وعلا حق، والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجلّ من أن تشبه شيئًا من ذوات المخلوقين"٢.
وما قاله الشيخ الأمين –﵀- حول هذه القاعدة قد قال به كثير من علماء الأمة المعتبرين؛ من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وتلميذه ابن القيم -﵀-، وغيرهما. وهذا يدل على أن الشيخ -﵀- قد سلك منهج سلف هذه الأمة، واقتفى أثرهم، وقال بقولهم، واتبع طريقتهم.
وسأذكر بعض أقوال العلماء المؤيدة لما قاله، فمنها قول العلامة ابن القيم -﵀-: قد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: "إنهم تأولوها على غير تأويلها" ٣ وبيان معناها. وكذلك الصحابة
_________________
(١) ١ رواه البيهقي عن مالك، وعن ربيعة الرأي في الأسماء والصفات (ص٥١٦) . ووصف الحافظ ابن حجر (في الفتح ١٣/٤١٧) سنده بأنه جيد إلى الإمام مالك. ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٣٩٨)، والدارمي في الرد على الجهمية (ص٣٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (في الفتاوى ٥/٣٦٥) بعد أن ذكر قول الإمام مالك: (وهذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا. ولكن ليس في إسناده من يعتمد عليه) . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٨-٣٩. ٣ انظر الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص١٠٤- تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهو حقّ. وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله فهو غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في الرد على من قال إن الصفات من المتشابه: "من قال إن هذا من المتشابه، وأنه لايُفهم معناه، فنقول: أما الدليل على [بطلان] ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه، أو جعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إنّ الله ينزل كلامًا لا يفهم أحد معناه. وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت". ونهوا عن تأويلات الجهمية –وردوها وأبطلوها- التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه" ٢.
وأما ما ذكره الشيخ الأمين –﵀- من أن جواب الإمام مالك يصح في جميع الصفات: فهذا ماقرره أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حيث قال: "وهذا الجواب من مالك -﵀- في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات؛ مثل النزول، والمجيء واليد، والوجه، وغيرهما، فيقال في مثل النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة ١/١٢٥. ٢ رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل- أنظر مجموع الفتاوى ١٣/٢٩٤-٢٩٥. وانظر موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ١/١٢٠.
[ ١ / ٢٥٩ ]
عنه بدعة، هكذا يقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة" ١.
وبهذا نرى الشيخ الأمين ﵀ يقرر هذه القاعدة الجليلة، ويبين أن المتشابه في آيات الصفات ليس كما قرره المتكلمون من أنه في باب المعاني، وإنما معانيها معلومة معروفة من لغة العرب. وإنما المتشابه كما أشار الشيخ ﵀ يكون في باب الكيفية؛ لأن معاني الصفات من الأمور المعلومة، أما الكيفية: فيجب الجزم بعدم إدراكها. وهو ماسبق تقريره.
القاعدة الرابعة: ليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل:
يرد الشيخ الأمين –﵀- بهذه القاعدة على الأشاعرة الذين يردون أكثر نصوص الصفات؛ كما قال صاحب الجوهرة٢:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها٣.
وكذلك -﵀- يردّ على المعتزلة والجهمية الذين ينفون الصفات خوفًا من التشبيه بصفات المخلوقين كما زعموا٤.
وقد ذكر -﵀- حجتهم في اعتقادهم أن ظاهر الصفات يدل على المشابهة، فقال -﵀-: "فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من
_________________
(١) ١ نقض المنطق ص٣. ٢ هو إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن علي المالكي اللقاني، ألف جوهرة التوحيد، وتوضيح ألفاظ الأجرومية، وقضاء الوطر من نزهة النظر. توفي سنة (١٠٤١هـ)، انظر: (الأعلام ١/٢٨) . ٣ شرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص١٣٠. بل صرح الصاوي أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. (انظر حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ٣/١٩) . وقال السنوسي أيضًا: والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة محلا بظاهر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾، ونحو ذلك. (انظر شرح أم البراهين ص٨٢- نقلًا عن علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين ص٥٤) . ٤ انظر: الصفات الاختيارية لشيخ الإسلام ابن تيمية (جامع الرسائل ١/٧) .
[ ١ / ٢٦٠ ]
معنى الاستواء واليد مثلًا في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعًا؛ لأن اعتقاد ظاهره كفر؛ لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر" ١.
ثم بين -﵀- اللوازم التي تلزم هذا القول، فقال: "ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ لم يبين حرفًا واحدًا من ذلك، مع إجماع من يعتدّ به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله جلّ وعلا، ورسوله ﷺ"٣.
ثم بين -﵀- القول الحق في ظاهر الصفات أنه كما يليق بجلاله ﷾، وأن نصف الله كما وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ، وليس من تشابه بين صفات الله وصفات خلقه؛ فقال -﵀-: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فظاهره المتبادر منه
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣١٩. ٢ سورة النحل، الآية [٤٤] . ٣ أضواء البيان ٢/٣١٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. فبمجرد إضافة الصفة إليه جلّ وعلا يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل: هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته، لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر" ١.
ثم يبيّن -﵀- السبب الذي جعل هؤلاء المعطلة يقولون إن الظاهر من معاني الصفات التشبيه؛ فيقول: "والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه، وإنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جلّ وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جلّ وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا، ومعطلًا ثانيًا. فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله جلّ وعلا بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدًا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢"٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "إنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٢٠. ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ أضواء البيان ٢/٣٢٠. وانظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الاعتقاد الذي يحل جميع الشبه. ويجيب عن جميع الأسئلة؛ وهو أن الإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. فيكون القلب منزهًا معظمًا له جلّ وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها، وأثنى عليه بها نبيه ﷺ على غرار ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ . والشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة الخائنة" ١.
وهذا الكلام الذي أورده الشيخ -﵀- في إيضاح القاعدة المذكورة، وفي إيضاح كيفية الرد بها على المخالفين في نقاش علمي رصين ليس ببدع فيه، بل قد سبقه إليه أساطين من علماء الأمة الذين جاهدوا في سبيل توضيح عقيدة الإسلام الصافية النقية مستندين في كل ما قالوه إلى الكتاب والسنة، لذلك كان لهم قصب السبق في توضيح الاعتقاد الصائب، والردّ على كلّ مخالف زائغ. ففي هذا الجانب يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "من قال إن الظاهر غير مراد، بمعنى أن ظاهر صفات المخلوقين غير مراد، قلنا له: أصبت في هذا المعنى، لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمرّ كما جاءت على ظاهرها، مع العلم بأن صفات الله ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٦-٣٧، ٣٩.
[ ١ / ٢٦٣ ]
إن الظاهر غير مراد بالتفسير؛ وهو مراد الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم: فقد أخطأ" ١.
وقال الشيخ مرعي المقدسي٢ -﵀-: "ومن المعلوم أنه ﵇ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثم لا يجد –أي الناظر في نصوص الصفات- شيئًا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها لا نصا ولا ظاهرًا كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين. ولم ينقل عنه ﵇ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها، ولما قال للجارية: "أين الله"؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه، بل أقرها، وقال: "اعتقها فإنها مؤمنة" ٣"٤.
فأين في كل هذا ما ظاهره التشبيه إذا كانت الصفة تابعة للموصوف. فالله يوصف من هذه الصفات بما يليق بجلاله وعظمته، فليست صفته سبحانه مشابهة لصفات خلقه وإن اشتركت معها في اللفظ الوارد؛ لأن صفة المخلوق تابعه لضعفه وافتقاره، وصفه الخالق على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله.
القاعدة الخامسة: الصفات على الحقيقة لا مجاز فيها:
يؤكد الشيخ الأمين –﵀- أن صفات الله تعالى الواردة في الكتاب
_________________
(١) ١ الرسالة المدنية ص٣٦. –تحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان. ٢ هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي المقدسي. مؤرخ أديب من كبار الفقهاء. ولد في طور كرم في فلسطين، ثم انتقل إلى القاهرة، وتوفي بها سنة (١٠٣٣؟) . (انظر: الأعلام ٧/٢٠٣. ومعجم المؤلفين ١٢/٢١٨) . ٣ أخرجه مسلم ١/٣٨٢. ٤ أقاويل الثقات ص٨٥. وانظر: رسالة في الاستواء والفوقية لأبي محمد الجويني –ضمن رسائل المجموعة المنيرية ١/١٧٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والسنة هي على الحقيقة كما يليق بجلاله، وليس كما يدعي المؤولة أنها مجاز، فيقولون: الاستواء: معناه الاستيلاء، واليد: القدرة، وهكذا، يحرفون الصفات، ويعطلون الله عن صفاته العظيمة.
قال الشيخ -﵀-: "إن جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن من الصفات؛ كالاستواء، واليد، والوجه، ونحو ذلك من جميع الصفات فهو موصوف به حقيقة لا مجازًا١، مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة صفات الحوادث ﷾ عن ذلك علوا كبيرًا. وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأثبت
له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه؛ لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدالّ على الصفة؛ كصفة اليد والوجه، إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق. فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له"٤.
وما أشار إليه الشيخ -﵀- أمر مجمع عليه عند السلف وقاعدة تُجرى على كل الصفات.
وسأذكر كلام بعض العلماء الذين سبقوا الشيخ الأمين –﵀- في
١ للشيخ الأمين -﵀- رسالة مفردة في نفي المجاز، سماها «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز» أثبت فيها أن القرآن كله حقائق لا مجاز فيه، وأنّ القول بالمجاز ذريعة لنفي ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال بادعاء أنها مجاز وأنّ المجاز يجوز نفيه، وهذا من أعظم وسائل التعطيل.
_________________
(١) (انظر مقدمة هذه الرسالة ص٣-٤. وهي ملحقة بأضواء البيان، الجزء العاشر) . ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ أضواء البيان ١/٨٢. وانظر: المعين والزاد ص٤١-٤٥. ٤ أضواء البيان ٧/٤٦٣.
[ ١ / ٢٦٥ ]
تقرير هذه القاعدة. فمنهم: الحافظ ابن عبد البر الذي قال: "وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنه لا يكيفون شيئا من ذلك. ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع، والجهمية١، والمعتزلة٢، والخوارج٣، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة" ٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته"٥.
فما قرره الشيخ الأمين –﵀- بأن الحق في الصفات إثباتها على الحقيقة اللائقة بجلال الله ﷾، وأنها ليست مجازًا، فلا تؤول
_________________
(١) ١ الجهمية: أتباع جهم بن صفوان الراسبي مولاهم، أبو محرز السمرقندي، رأس الجهمية. قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان سنة ثمان وعشرين ومائة، كان يقول بأن العباد مجبورون على أفعالهم، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الجنة والنار تفنيان، وأن القرآن مخلوق. وكان ينكر صفات الله ﷿ وأسمائه. ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا. (انظر: الفرق بين الفرق ص٢١١. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص٣٤. وسير أعلام النبلاء ٦/٢٦. والبداية والنهاية ٩/٣٦٤. والخطط للمقريزي ٢/٣٤٩) . ٢ سبق التعريف بهم ص٢٤٢. ٣ الخوارج: سموا بهذا الاسم لخروجهم على علي ﵁. وهم فرق كثيرة. قال أبوالحسن الأشعري: أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁، وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات: فإنها لا تقول بذلك. وأجمعوا على أن الله يعذب أصحاب الكبائر عذابًا أليمًا، إلا النجدات. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/١٦٧. والملل والنحل ١/١١٤. والخطط للمقريزي ٢/٣٥٠، ٣٥٤. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص١٧) . ٤ التمهيد ٧/١٤٥. ٥ الفتاوى ٣/٢١٨. وانظر كلامه -﵀- في رده على من قال إن صفات الله مجاز. (كتاب الإيمان ص١٠٦ –طبعة المكتب الإسلامي-) .
[ ١ / ٢٦٦ ]
ولا تفوض: هو الذي تعضده نصوص الشرع وأقوال السلف رضوان الله عليهم.
وهكذا نرى شدة عناية الشيخ الأمين –﵀- بعقيدة السلف، وتقعيده القواعد لإيضاحها. وكذا شدة اهتمامه بتسهيلها، وشدة حرصه على تفهيمها للناس؛ حيث أرشد طالب العلم إلى الأخذ بهذه الأصول السهلة الميسرة التي تأخذ بيد طالب الحق، وتوصله إلى مبتغاه؛ إلى عقيدة الإثبات مع التنزيه. فلا يغلو في الإثبات حتى يشبه الله بخلقه، ولا يغلو في التنزيه حتى يعطل الله جلّ وعلا عن صفاته، بل يثبتها إثباتًا يليق بجلال الله وعظمته وكماله، منزها لها عن مشابهة صفات الحوادث، متبعًا لقول مولاه جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] .
[ ١ / ٢٦٧ ]