السلف يثبتون صفات الله على الحقيقة، ويفوضون الكيفية إلى العليم الخبير؛ فلا يحرفون، ولا يعطلون، ولا يشبهون، ولا يفوضون المعنى.
وقد غلط المتكلمون في فهم معتقد السلف، ورجحوا عليه مذهب الخلف؛ قال البيجوري١: "طريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح، والرد على الخصوم. وهي الأرجح. وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى غير مراد له تعالى"٢.
فكذب على السلف حيث جعل معتقدهم التفويض المحض، والجهل بكلام الله وعدم العلم والفقه؛ فآمنوا باللفظ وجهلوا المعنى. وجعل الخلف أعلم وأفقه وأحكم طريقة؛ لأنهم صرفوا اللفظ إلى معاني بنوع من التكلف٣.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- خطأ هذه المقالة وتهافتها، وجورها؛ حيث اتهمت السلف بالجهل بكلام الله، والتفويض المحض، ورد عليها، وأكد أن طريق السلامة متضمن العلم والحكمة؛ إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة؛ فقال -﵀-: "وصفوا مذهب السلف بأنه أسلم، وهي صيغة تفضيل، من السلامة. وما كان يفوق غيره، ويفضله في السلامة فلا شك أنه أعلم منه وأحكم"٤.
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري؛ شيخ الجامع الأزهر في وقته، اشعري العقيدة. له عدة مؤلفات منها: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد. توفي سنة (١٢٧٧؟) . (انظر: الأعلام ١/٧١. ومعجم المؤلفين ١/٨٤) . ٢ تحفة المريد ص٩١. ٣ انظر العقيدة الحموية الكبرى ص١٤. ٤ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٦-٤٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقال -﵀- في موضع آخر: "إن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم، وقولهم: مذهب السلف أسلم؛ إقرار منهم بذلك؛ لأن لفظ أسلم: صيغة تفضيل من السلامة، وما كان يفضل غيره ويفوقه في السلامة فهو أحكم وأعلم. وبه يظهر أن قولهم: ومذهب الخلف أحكم وأعلم: ليس بصحيح بل الأحكم الأعلم هو الأسلم كما لا يخفى"١.
فلا وجه لجعل الخلف أعلم وأحكم من السلف، مع اعترافهم بأن مذهب السلف أسلم؛ فالسلامة إذا وجدت في شيء فلا بد أن يكون أحكم وأعلم؛ إذ من المستحيل أن توجد السلامة في شيء لا تتوفر فيه الحكمة والعلم؛ إذ السلامة من ثمراتهما.
والشيخ الأمين -﵀- لا يرضى هذا الفهم الناقص لمعتقد السلف؛ إذ هو تجهيل لهم، وتفضيل لأهل الجدل والسفطسة٢ عليهم. وفيه انتقاص للصحابة والتابعين ومن سلك سبيلهم من صالح الأمة؛ إذ هم المعنيون بكلمة (السلف) .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ردّ على هذه المقولة ردّ به على الأشاعرة. فقال: "وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: "طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم". فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسلف. كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٦. ٢ يراد بالسفسطة الخداع والتمويه في الكلام. راجع: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/٣٢٢-٣٢٤.
[ ١ / ٣٣١ ]
كان تجهيلًا لهم، وتخطئة وتضليلًا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقًا، فزعمًا أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها القرن الأول. ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"١.
وقال شيخ الإسلام -﵀- أيضًا في موضع آخر يمدح منهج السلف: "ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول. وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢"٣.
وقد رد العلامة مرعي الكرمي -﵀- على من قال بأن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم وأعلم بقوله: "فمذهب السلف اسلم، ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم؛ فإنه من زخرف الأقاويل، وتحسين الأباطيل؛ فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل، وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل، ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات"٤.
وبعد معرفة حقيقة مذهب السلف الذي اختلط على المتكلمين فلم
_________________
(١) ١ الفتاوى ٤/١٥٧-١٥٨. ٢ سورة البقرة، الآية [١٧٦] . ٣ درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٠١. ٤ أقاويل الثقات ص٤٦.
[ ١ / ٣٣٢ ]
يفهموه، بين لنا الشيخ الأمين -﵀- موقف السلف من صفات الله تعالى بيانًا يدل على أن معتقد السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، فقال -﵀-: "إن من كان على معتقد السلف الصالح إذا سمع مثلًا قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ امتلأ قلبه من الإجلال والتعظيم والإكبار لصفة ربّ العالمين التي مدح بها نفسه، وأثنى عليه بها، فجزم بأن تلك الصفة التي تمدح بها خالق السموات والأرض بالغة من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينها وبين صفات الخلق؛ لأن الصفة لا يمكن أن تشبه صانعها في ذاته، ولا في شيء من صفاته. وبإجلال تلك الصفة وتعظيمها وحملها على أشرف المعاني اللائقة بكمال من وصف بها نفسه وجلاله يسهل على ذلك المؤمن السلفي أن يؤمن بتلك الصفة ويثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه على أساس التنزيه؛ فيكون أولًا: منزها سالمًا من أقذار التشبيه، وثانيًا: مؤمنًا بالصفات مصدقًا بها على أساس التنزيه، فيكون سالمًا من أقذار التعطيل. فيجمع بين التنزيه والإيمان بالصفات على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فمعتقده طريق سلامة محققة؛ لأنه مبني على ما تضمنته آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية من التنزيه، والإيمان بالصفات، فهو تنزيه من غير تعطيل وإيمان من غير تشبيه ولا تمثيل. وكل هذا طريق سلامة محققة، وعمل بالقرآن، فهذا هو مذهب السلف"٢.
وقال -﵀- أيضًا: "والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ولا كان يشكل عليهم. ألا ترى إلى قول الفرزدق، وهو شاعر فقط، وأما من جهة العلم فهو عاميّ:
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٧-٤٨. وانظر آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٣.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وكيف أخاف الناس والله قابض على الناس والسبعين في راحة اليد
فمن علم مثل هذا من كون السموات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل. فإنه عالم بعظمة الله وجلاله، لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق. ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين"١.
وبعد أن ذكر الشيخ الأمين -﵀- طريقة السلف، وبين أنها أعلم وأحكم وأسلم، وشرح لنا موقفهم من صفات الباري ﷾، وذكر أن معتقدهم هو المعتقد الذي لا يخيب معتقده، ولا يضل مسترشده، فهو طريق محقق السلامة. شرع يذكر لنا في المقابل مذهب الخلف، وما يترتب عليه من أخطاء شنيعة، تجعل معتقده يشطط عن الطريق السوي، فيتهجم على صفات الله قائلًا فيها بغير علم ولا هدى؛ فقال -﵀-: "وأما ما يسمونه مذهب الخلف: فالحامل لهم فيه على نفي الصفات وتأويلها هو قصدهم تنزيه الله عن مشابهة الخلق، ولكنهم في محاولتهم لهذا التنزيه وقعوا في ثلاث بلايا ليست واحدة منها إلا وهي أكبر من أختها: الأولى من هذه البلايا الثلاث: أنهم إذا سمعوا قول الله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: زعموا أن ظاهر الاستواء في الآية هو مشابهة استواء المخلوقين؛ فتهجموا على ما وصف الله به نفسه في محكم كتابه، وادعوا عليه أن ظاهره المتبادر منه هو التشبيه بالمخلوقين في استوائهم؛ فكأنهم يقولون لله: هذا الاستواء الذي أثنيت به على نفسك في سبع آيات من كتابك ظاهره قذر نجس لا يليق بك؛ لأنه تشبيه بالمخلوقين، ولا شيء من الكلام أقذر وأنجس من تشبيه الخالق بخلقه، سبحانك هذا بهتان عظيم. وهذه البلية الأولى التي هي تهجم على نصوص الوحي، وادعاء أن ظاهرها تشبيه الخالق بالمخلوق، وناهيك بها بلية. ثم لما تقررت هذه البلية
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٢١.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قي أذهانهم، وتقذرت قلوبهم بأقذار التشبيه، اضطروا بسببها إلى نفي صفة الاستواء فرارا من مشابهة الخلق التي افتروها على نصوص القرآن أنها هي ظاهرها. ونفي الصفة التي أثنى الله بها على نفسه من غير استناد إلى كتاب أو سنة هو البلية الثانية التي وقعوا فيها؛ فحملوا نصوص القرآن أولا على معان غير لائقة بالله، ثم نفوها من أصلها فرارًا من المحذور الذي زعموا" ١.
ثم ذكر -﵀- الخطأ الثالث الذي وقع فيه المنحرفون عن منهج السلف، فقال: "والبلية الثالثة: أنهم يفسرون الصفة التي نفوها بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم، من غير استناد إلى وحي مع أن الصفة التي فسروها بها هي بالغة غاية التشبيه بالمخلوقين؛ فيقولون: "استوى" ظاهره مشابهة استواء المخلوقين فمعنى استوى: استولى، ويستدلون بقول الراجز في إطلاق الاستواء على الاستيلاء:
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
ولا يدرون أنهم شبهوا استيلاء الله على عرشه الذي زعموه باستيلاء بشر بن مروان على العراق، فأي تشبيه بصفات المخلوقين أكبر من هذا؟. وهل يجوز لمسلم أن يشبه صفة الله التي هي الاستيلاء المزعوم بصفة بشر التي هي استيلاؤه على العراق؟ وصفة الاستيلاء من أوغل الصفات في التشبيه بصفات المخلوقين؛ لأن فيها التشبيه باستيلاء مالك الحمار على حماره. ومالك الشاة على شاته، ويدخل فيها كل مخلوق قهر مخلوقًا واستولى عليه، وفي هذا من أنواع التشبيه ما لا يحصيه إلا الله"٢.
وبعد ما ذكر الشيخ الأمين -﵀- هذه الأمور الشنيعة التي وقع فيها
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٨-٤٩. وانظر: آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٣-١٣٤. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
من سلك مسلك الخلف، بين أنهم نتيجة تحريفهم وقعوا في شر مما فروا منه؛ فالسلف أثبتوا صفات الله التي امتدح الله بها نفسه، وأثنى بها عليه رسوله ﷺ كما يليق بجلاله وكماله، وأهل التحريف أثبتوا صفات ما أنزل الله بها من سلطان، وقالوا كما يليق بجلاله، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وقد قال -﵀- في بيان حالهم: "فإن زعم من شبه أولًا، وعطل ثانيًا، وشبه ثالثًا أيضًا أن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء المخلوقين. قلنا له: نحن نسألك ونطلب منك الجواب بإنصاف: أيهما أحق بالتنزيه عن مشابهة الخلق: الاستواء الذي مدح الله به نفسه في محكم كتابه، وهو في نفس القرآن الذي يتلى، ولتاليه بكل حرف منه عشر حسنات؛ لأنه كلام الله. أم الأحق بالتنزيه هو الاستيلاء الذي جئتم به من تلقاء أنفسكم من غير استناد إلى وحي؟ ولا شك أن الجواب أن اللفظ الوارد في القرآن أحق بالتنزيه والحمل على أشرف المعاني وأكملها من اللفظ الذي جاء به معطل من كيسه الخالص لا مستند له من الوحي، وبهذه الكلمات القليلة يظهر لكم أن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم"١.
وهكذا ختم الشيخ -﵀- هذه المقارنة التي أظهر فيها معتقد السلف في صفات الله ﷾ مبينًا حال أهله عند سماعهم لصفات خالقهم جل وعلا، ومؤكدًا أن طريقهم طريق سلامة محققة، بخلاف مذهب الخلف الذين تهجموا على صفات الله ووقعوا في أخطاء شنيعة جعلتهم ممقوتين عند أهل الإيمان.
وقد دعا الشيخ الأمين -﵀- لمن التبس عليه الأمر ممن ابتعدوا عن منهج السلف، وكان مقصدهم حسنًا أن يغفر الله لهم وأن يتجاوز عن آثامهم؛ لأنهم لم يتعمدوا تشبيه الله وتعطيله عن صفاته، وإن كان مسلكهم فاسدًا مخالفًا لمراد الله ﷾، فقال -﵀-: "ونحن
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٩-٥٠. وانظر: آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٣-١٣٦.
[ ١ / ٣٣٦ ]
نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه؛ فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة. وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق؛ فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدًا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فهم كما قال الشافعي:
رام نفعًا فضرّ من غير قصد ومن البرّ ما يكون عقوقًا١
ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢. وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولًا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه. ولا شك أن النبي ﷺ عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق لأنه تشبيه بصفات الخلق، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه فسكوت النبي ﷺ عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له كما ترى"٣.
وبذلك يظهر لنا موقف الشيخ الأمين -﵀- ممن مات على هذا المعتقد؛ حسن الظن في نيته، وأنه لم يتعمد التعطيل وإن وقع فيه، ودعاء الله له بالمغفرة والتجاوز عن المآثم والزلات؛ لأن مقصدهم حسن، لكنهم
_________________
(١) ١ ديوان الإمام الشافعي ص٦٧ –جمع/ محمد الزعبي. ٢ سورة الأحزاب، الآية [٥] . ٣ أضواء البيان ٧/٤٤٨-٤٤٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
لم يفلحوا في الوصول إليه.
أما موقفه -﵀- من معتنقي هذا المذهب من ألحياء: فهو موقف المحذر لهم من سوء العاقبة والمنقلب، فخوفهم بالله، وأمرهم بخشيته، والإيمان بما امتدح به نفسه، وبين لهم أن كلامهم قول على الله بغير علم، وبهتان عظيم؛ فقال -﵀-: "فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكلّ شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك، فيقول؛ هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك، ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك، فاليد مثلًا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة. وأنا أنفيها عنك نفيًا باتًا، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلًا، أو الجود، سبحانك هذا بهتان عظيم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١"٢.
وهكذا نراه -﵀- يرجو لمن مات المغفرة والرحمة، ويخاف على الحي، فيعظه ويأمره أن يتدارك نفسه، ويعظم خالقه، فيصفه بما امتدح به نفسه، وأنله في كتابه، فلا يصف الله أعلم من الله، فهو العليم الخبير.
_________________
(١) ١ سورة الطلاق، الآيتان [١٠-١١] . ٢ أضواء البيان ٧/٤٤٦-٤٤٧.
[ ١ / ٣٣٨ ]