بيّن الشيخ الأمين -﵀- أن المسلم مطالب باحترام رسول الله ﷺ، والتأدب معه في المخاطبة بأن لا يرفع الصوت فوق صوته ﵊. وبما أنه ﷺ قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فقد نبه -﵀- إلى أن حرمته في الممات كحرمته في الحياة؛ فلا ترفع الأصوات عند السلام عليه عند قبره؛ إذ هذا من المنكرات التي ينبغي إزالتها.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١: "وهذه الآية الكريمة علم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي ﷺ ويحترموه ويوقروه فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض؛ أي ينادون باسمه يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضًا. وإنما أمروا أن يخاطبوه خطابًا يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض؛ كأن يقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، ونحو ذلك"٢.
ثم أكد -﵀- أن هذا الخلق من علامات كمال التقوى، ومن تمسك به فله الأجر الجزيل من الله؛ فقال: "وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه ﷺ بغضّ الصوت عنده، لا يكون إلا من الذين امتحن
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية [٢] . ٢ أضواء البيان ٧/٦١٥.
[ ٢ / ٤١٦ ]
الله قلوبهم للتقوى؛ أي أخلصها لها، وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١"٢.
وأنكر -﵀- ما يحصل عند قبر النبي ﷺ من رفع الأصوات وعدم السكينة، مبينًا أن احترام رسول الله ﷺ وخفض الأصوات عند السلام عليه يكون في حياته وبعد مماته؛ فقال -﵀-: "ومعلوم أن حرمة النبي ﷺ بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ماجرت به العادة اليوم من اجتماع الناس عند قبره ﷺ وهم في صخب ولغط، وأصواتهم مرتفعة ارتفاعًا مزعجًا كله لا يجوز، ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر٣. وقد شدد عمر ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده ﷺ، وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا٤"٥.
وأنكر الشيخ الأمين -﵀- أيضًا على من يضع يده اليمنى على اليسرى حال السلام عليه ﷺ، فقال -﵀-: "فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه ﷺ أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيئة المصلي؛ لأن هيئة الصلاة داخلة في جملتها، فينبغي أن تكون خالصة
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية [٣] . ٢ أضواء البيان ٧/٦١٦. ٣ وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم -﵀- بقوله: أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأصوات حول القبر بالنكران لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ميتًا كحرمته لدى الحيوان (انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم ٢/١٥٧) . ٤ صحيح البخاري، ك الصلاة ١/٩٣. ٥ أضواء البيان ٧/٦١٧.
[ ٢ / ٤١٧ ]
لله، كما كان ﷺ هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئتها لله وحده"١.
فالشيخ -﵀- يحذر المسلمين من هذه المنكرات التي تحدث عند قبره ﷺ، ويدعوهم إلى احترامه ﷺ كما كان يفعل الرعيل الأول رضوان الله عليهم؛ إذ كانوا من أشد الناس موافقة له ﵇، ومن أبعد الناس عن مخالفته أو ابتداع ما ليس من دين الله.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٧/٦٢٤.
[ ٢ / ٤١٨ ]