ومن براهين التوحيد: الآيات الكونية التي تسلك بالمخاطب سبيل الحس والمشاهدة، وتدل على عين المطلوب؛ فكل مخلوق يدلّ على وحدانية الخالق وأنه هو المعبود وحده.
يتحدث الشيخ -﵀- عن معنى الآية الكونية فيقول: "أما الآية الكونية القدرية فهي العلامة التي نصبها الله كونًا وقدرًا ليبين بها لخلقه أنه الرب وحده، والمعبود وحده؛ كفلقه الحب من السنبل، والنوى عن النخل، وكإتيانه بالليل بدل النهار، والنهار بدل الليل، وتسخير الشمس والقمر، وخلقه النجوم ليهتدى بها. فهذه آيات كونية قدرية"١.
فالآيات الكونية من عجائب صنع الله، وهي تدل على وحدانيته، واستحقاقه العبادة وحده، وقد أمرنا الله ﷾ أن نتفكر فيها وننظر إليها حتى نوحده في ألوهيته جل وعلا.
يقول الشيخ الأمين -﵀- في بيان هذا الجانب: "أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية٢ ووبخ في سورة الأعراف من لم يمتثل هذا الأمر، وهدده بأنه يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر في أمر الله
_________________
(١) ١ نقلًا عن الشريط رقم [١٥]، بصوت الشيخ ﵀: الوجه الأول؛ في تفسير سورة الأنعام. وكذلك وضح هذا المعنى في الشريط رقم [١٠]: الوجه الثاني؛ تفسير السورة نفسها. ٢ سورة فصلت، الآية [٥٣] .
[ ١ / ١٣١ ]
جل وعلا، أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله جل وعلا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ١ ٢.
ويوضح لنا -﵀- في مكان آخر الحكمة من النظر في هذه الآيات الكونية التي أمر الله ﷾ بالنظر إليها، وأن مراد الله من النظر في تلك الآيات هو الاستدلال على أنه سبحانه المستحق للعبادة، وأن له الكبرياء والعظمة، وأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق:
يقول -﵀- مبينًا هذا الجانب عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ٣: "ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته؛ أي الكونية القدرية، ليجعلها علامات لهم على ربوبيته واستحقاقه العبادة وحده
فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ماجاء به محمد ﷺ حق؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ﴾ ٤.
والآفاق: جمع أفق؛ وهو الناحية. والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه، وعجائب مخلوقاته في نواحي سماواته وأرضه مايتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده" ٥.
وبذلك يبين الشيخ -﵀- أن النظر وسيلة إلى عبادة الله، وليس غاية يقف عنده المتأمل وقفة حيرة وغفلة، وإنما نظرة تفكر واتعاظ تأخذ بصاحبها
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٨٥] . ٢ أضواء البيان ٢/٤٣٩. ٣ سورة غافر، الآية [١٣] . ٤ سورة فصلت، الآية [٥٣] . ٥ أضواء البيان ٧/٧٤-٧٥.
[ ١ / ١٣٢ ]
إلى الحق، وتخرجه من الظلمة إلى النور.
وقد أوضح -﵀- البراهين الكونية الدالة على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة –والتي تضمنها القرآن الكريم- بالإجمال في مواضع، وبالتفصيل في مواضع؛ فذكر ستة أنواع تضمنتها أول سورة الجاثية، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. فقال -﵀- مبينًا هذا الجانب: "ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى:
الأول منها: خلقه السموات والأرض.
الثاني: خلقه الناس.
الثالث: خلقه الدواب.
الرابع: اختلاف الليل والنهار.
الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.
السادس: تصريف الرياح.
وذكر أن هذه الآيات والبراهين إنما ينتفع بها المؤمنون الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم، ولذا قال: ﴿لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢ ٣.
ثم سرد -﵀- بعد ذلك الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على
_________________
(١) ١ سورة الجاثية، الآيات [٣-٥] . ٢ سورة الجاثية، الآية [٥] . ٣ أضواء البيان ٧/٣٢٩-٣٣٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
كل نوع من الأنواع الستة السالفة، كما هي طريقته -﵀- في تفسير القرآن بالقرآن؛ فاستدل للنوع الأول بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١.
واستدل للنوع الثاني بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي استدل بها للنوع الثالث؛ خلق الدواب؛ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
واستدل لاختلاف الليل والنهار بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ ٤.
واستدل لإنزال الماء وإحياء الأرض به بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّا ًفَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٥.
واستدل لتصريف الرياح بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ ٦. إلى غير ذلك من الآيات٧.
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية [٢٢] . ٢ سورة الروم، الآية [٢٠] . ٣ سورة النور، الآية [٤٥] . ٤ سورة النور، الآية [٤٤] . ٥ سورة عبس، الآيات [٢٤-٣٢] . ٦ سورة الروم، الآية [٤٦] . ٧ انظر: أضواء البيان ٧/٣٢٩-٣٣٣. وانظر المصدر نفسه ٤/٤٢٠-٤٢١.
[ ١ / ١٣٤ ]
وفيما يلي أورد تفصيلًا للبراهين السالفة التي مر ذكرها مجملة. وأورد معها براهين أخرى غيرها ذكرها الشيخ الأمين -﵀-، ورتبها حسب أهميتها. فمنها:
أولًا: خلق السموات والأرض:
خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة القاطعة على أن الله هو المستحق أن يعبد وحده؛ فهي دليل حي مشاهد ناطق على وجود الخالق القادر المتفرد بالعبادة.
يوضح الشيخ -﵀- هذا البرهان فيقول: "وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا؛ بخلقه للسموات والأرض ومابينهما، في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية١.
وبذلك تعلم أنه ماخلق السموات والأرض وما بينهما إلا خلقًا متلبسا بأعظم الحق؛ الذي هو إقامة البرهان القاطع المذكور على توحيده جل وعلا. عُلم من استقراء القرآن أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها هي كونه خالقًا لغيره، فمن كان خالقًا لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لايقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال" ٢.
وقال -﵀- في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان [٢١-٢٢] . ٢ أضواء البيان ٧/٣٦٦.
[ ١ / ١٣٥ ]
لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١: "ووجه توكيده تعالى قوله: ﴿إن إلهكم﴾ بهذه الأقسام، وبـ"إنّ" واللام: هو أنّ الكفار أنكروا كون الإله واحدا إنكارًا شديدًا، وتعجبوا من ذلك تعجبًا شديدًا؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. ولما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ٣ أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٤.
فكونه خالق السموات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب برهان قاطع على أنه المعبود وحده. وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده أقامه على ذلك أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٥، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متصلًا به: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٦ ٧.
فأدلة القرآن الكريم على ذلك البرهان ساطعة، وقد رأينا كيف أورد الشيخ -﵀- هذا الدليل فأوضح أن خلق السموات والأرض دليل قاطع وبرهان ساطع على أن خالقها قدير عليم، وحكيم خبير، وأنه هو المستحق
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآيتان [٤-٥] . ٢ سورة ص، الآية [٥] . ٣ سورة الصافات، الآية [٤] . ٤ سورة الصافات، الآية [٥] . ٥ سورة البقرة، الآية [١٦٣] . ٦ سورة البقرة، الآية [١٦٤] . ٧ أضواء البيان ٦/٦٧٣. وانظر كذلك المصدر نفسه: ٤/٤٤٠-٤٤١، ٧/٧٤، ٦٤٤، ٦٧٥، ٧٣٨.
[ ١ / ١٣٦ ]
لأن يعبد وحده.
وقد أوضح ابن القيم -﵀- هذا الدليل الكوني مستدلًا به على نواحي كثيرة من التوحيد، فقال: "إن الأرض والبحار والهواء، وكل ما تحت السموات، بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر. ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها؛ إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاء للنظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته"١.
فالشيخ -﵀- يستدل بهذه المخلوقات العظيمة على طاعة الله وإفراده بالعبادة وحده، ويرد على الملاحدة المنكرين لوجود السموات بأنهم في غاية الجهالة:
يقول -﵀-: "والذين ينكرون وجود السموات في غاية من الجهل والسفه، ولا شك أن هذا الرب العظيم الذي يخلق هذه المخلوقات العظيمة هو الجدير بالطاعة والعبادة وحده، كما أنه الخالق وحده" ٢.
فهو -﵀- يرد على من طغى في الجهالة والإلحاد، ويؤكد أن وجود السموات من أعظم الأدلة على ألوهية خالقها وموجدها من العدم، وممسكها بقدرته. كيف لا تكون موجودة وهذه الكواكب والنجوم زينة لها دالة على مبدعها، وخالقها، وأنه هو الربّ المعبود وحده ﷾.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٤٨. ٢ معارج الصعود ص٤٨.
[ ١ / ١٣٧ ]
ثانيًا: خلق الإنسان:
إن من أقرب الأدلة على وحدانية الله وألوهيته: خلق الإنسان؛ فهو آية ناطقة على عجائب صنعه ودقة خلقه.
وقد دعا الله عباده إلى التفكر في أنفسهم حتى يتحقق عندهم الإيمان بأنه الرب الخالق والإله المعبود وحده؛ قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
وقد أشار الشيخ -﵀- إلى هذا الدليل العظيم الذي يراه كل إنسان في نفسه؛ إذ إن القادر على هذا الخلق والإيجاد هو المستحق أن يعبد وحده؛ يقول -﵀- عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٢: "اعلم أولًا أن خلق الإنسان، وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة؛ كما أشار تعالى لذلك بقوله في أول النحل: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٣، وقوله في آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٤؛ فالإنسان بالأمس نطفة، واليوم هو في غاية البيان وشدة الخصام؛ يجادل في ربه، وينكر قدرته على البعث. فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين الإبانة في الخصام، مع أن الله خلقه من نطفة، وجعله خصيمًا مبينًا، آية من آياته جل وعلا دالة على أنه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق" ٥.
ويقول -﵀- في موضع آخر عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآية [٢١] . ٢ سورة الرحمن، الآيتان [٣-٤] . ٣ سورة النحل، الآية [٤] . ٤ سورة يس، الآية [٧٧] . ٥ أضواء البيان ٧/٧٣٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ١: " ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ٢؛ أي لنظهر لكم بذلك عظمتنا زكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية واستحقاق العبادة. وقال في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٤. والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله: ﴿كَلآ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ٥؛ وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا. فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه. وما أكمل قدرته، وماأظهر براهين توحيده" ٦.
وقال -﵀- في موضع آخر أيضًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ٧: "أي إن كنتم الآن ترون أنفسكم قد ركبتم من جسم بعظام ولحم ودم ومفاصل، فاعلموا أن أصلكم من هذا التراب، فالذي أوجدكم وأوصلكم إلى هذه الحال هو الذي لا يليق بكم أن تعبدوا غيره" ٨.
وقد أوضح هذا البرهان أيضًا الإمام ابن القيم -﵀- بعد أن ذكر
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية [٥] . ٢ سورة الحج، الآية [٥] . ٣ سورة غافر، الآية [٦٧] . ٤ سورة القيامة، الآيات [٣٦-٤٠] . ٥ سورة المعارج، الآية [٣٩] . ٦ أضواء البيان ٥/٧٧٩. ٧ سورة هود، الآية [٦١] . ٨ معارج الصعود ص١٥٨. وانظر أضواء البيان ٤/١٠٢، ٥/٧٧٦.
[ ١ / ١٣٩ ]
بعض الآيات التي أسند الله فيها خلق الإنسان لنفسه المقدسة، وذكر فيها الأطوار التي يتدرج فيها الإنسان أثناء خلقه، فقال -﵀-: "وهذا كثير في القرآن؛ يدعو العبد إلى النظر والتفكر في مبدأ خخلقه، ووسطه، وآخره؛ إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقف على بعضه، وهو غافل عنه معرض عن التفكير فيه. ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره؛ قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ١ ٢.
فالشيخ الأمين -﵀- يوضح أن خلق الإنسان بهذه الصفة العجيبة دليل باهر على ربوبية الله ﷾ وتفرده بالعبادة وحده؛ فالقادر على هذا الخلق العظيم جدير بأن تصرف إليه العبادة وحده جل وعلا.
ثالثًا: إنزال الماء:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٣. فالحياة قائمة على عنصرين: الماء والهواء.
وقد امتنّ الله على عباده بإنزال الماء إليهم بالقدر الذي فيه صلاحهم ونفعهم، لينتفعوا به. ويعرفوا خالقهم فيشكروه ويحمدوه على هذه النعمة العظيمة.
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذا المعنى؛ فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ
_________________
(١) ١ سورة عبس، الآيات [١٧-٢٢] . ٢ مفتاح دار السعادة ١/٢٣٧. ٣ سورة الأنبياء، الآية [٣٠] .
[ ١ / ١٤٠ ]
نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ١: "تضمنت هذه الآية الكريمة امتنانًا عظيمًا على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضًا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته، وشدة حاجة خلقه إليه. والمعنى: أفرأيتم الماء الذي تشربون، الذي لا غنى لكم عنه لحظة، ولو أعدمناه لهلكتم جميعًا في أقرب وقت: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٢، والجواب الذي لا جواب غيره هو: أنت ياربنا منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه فلم تكفرون به، وتشربون ماءه، وتأكلون رزقه، وتعبدون غيره، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء، وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكرًا لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٣ جاء في آيات أخر من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ٧، إلى غير ذلك من الآيات" ٨.
ويستمر الشيخ -﵀- في تفسير الآيات السابقة، وأكتفي منها بما
_________________
(١) ١ سورة الواقعة، الآيات [٦٨-٧٠] . ٢ سورة الواقعة، الآية [٦٩] . ٣ سورة الواقعة، الآية [٧٠] . ٤ سورة الحجر، الآية [٢٢] . ٥ سورة النحل، الآية [١٠] . ٦ سورة الفرقان، الآيتان [٤٨-٤٩] . ٧ سورة المرسلات، الآية [٢٧] . ٨ أضواء البيان ٧/٧٩٢-٧٩٣. وانظر المصدر نفسه: ٥/٧٨٤-٧٨٦.
[ ١ / ١٤١ ]
ذكرت؛ إذ أنه قد أبان فيه -﵀- هذا الدليل العظيم على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة.
ورغم هذا الامتنان من الله على خلقه، ولطفه بهم؛ حيث أنزل الماء بقدر، وأسكنه الأرض، وهو قادر سبحانه على الذهاب به، رغم هذا نجد من يكفر بتلك النعمة ويجحده، وينسب إنزال المطر لغير الله افتراء وبهتانً عليه.
يقول الشيخ -﵀- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلآ كُفُورًا﴾ ١ مبينًا حال تلك الفئة، ورادًا عليها، ومفندا لأقوالها الردئية: "ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفورًا الذين يزعمون أن المطر لم ينزله منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته؛ فالمنزل له عندهم: هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء المتبخر: إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته، ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزال المطر، وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإيمان به، واستحقاقه وحد للعبادة، فمثل هؤلاء داخلون في قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلآ كُفُورًا﴾ ٢، بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ ٣ وقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أنه تعالى هو مصرف الماء ومنزله حيث شاء وكيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآيات [٤٨-٥٠] . ٢ سورة الفرقان، الآية [٥٠] . ٣ سورة الفرقان، الآية [٥٠] .
[ ١ / ١٤٢ ]
وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر: فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ١. هذا لفظ مسلم -﵀- في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا؛ مسندًا ذلك للطبيعة، أنه كافر بالله مؤمن بطبيعة البخار ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا هو منزل المطر على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا" ٢.
وهكذا يرد الشيخ -﵀- على هؤلاء الملاحدة الذين جحدوا وجود الرب ﷾، وعطلوه عن ربوبيته وألوهيته، وهم يتقبلون في نعمته، ويأكلون ويشربون من فضله، ويرون هذا البرهان العظيم فلا يؤمنون.
ويؤكد -﵀- أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد، المنعم على الناس بفضله وقدرته، فالواجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا معه غيره، فسبحانه من إله عظيم امتنّ على عباده بجميع الخيرات.
وقد أشار الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- إلى هذا الدليل الذي ذكره الشيخ الأمين، وجعله دليلًا على إفراد الله بالعبادة؛ يقول السعدي -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٣: "يذكر الله تعالى في هذه الآية نعمة من أعظم النعم، ليعقلوا عن الله مواعظه وتذكيره،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٨٣-٨٤. ٢ أضواء البيان ٥/٧٨٦. وانظر المصدر نفسه ٥/٧٨٤. ٣ سورة النحل، الآية [٦٥] .
[ ١ / ١٤٣ ]
فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده"١.
وبهذا يتبين أن إنزال الله تعالى للمطر بكمية مقدرة، فيها مصلحة شاملة لكل ما هو حي دليل على ألوهيته وعظمته؛ فإن القدرة على إنزال الماء من أقوى الأدلة على أنه لا معبود سواه.
رابعًا: إحياء الأرض:
من البراهين الكونية الدالة على استحقاق الله للعبادة وحده: إحياء الأرض، وإنبات النبات الذي امتن الله به على عباده.
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذا البرهان بأسلوب السؤال والجواب؛ حيث قال -﵀-: "وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ ٢ أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه؛ كالخبز الذي يأكله، ويعيش به، من خلق الماء الذي كان سببًا لنباته: هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض على هذا الوجه الذي يحصل به النفع من غير ضرر، بإنزاله على الأرض رشا صغيرًا حتى تروي به الأرض تدريجًا من غير أن يحصل به هدم ولا غرق؛ كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٣ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق فعلًا، وأنزل في الأرض على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض ويخرج منها مسمار النبات٤ الجواب: لا. ثم لعله: هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه،
_________________
(١) ١ تيسير الكريم الرحمن ٤/٢١٦. ٢ سورة عبس، الآية [٢٤] . ٣ سورة الروم، الآية [٤٨] . ٤ أي عِرق النبات.
[ ١ / ١٤٤ ]
فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن السنبل خرج من النبات، فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحًا للغذاء والقوت؟ الجواب: لا" ١.
وقد أوضح هذا البرهان الإمام ابن القيم -﵀-، وبين تدرج هذا النبات في الإيجاد حتى يكون صالحًا مثمرًا دالًا على خالقه وموجده من العدم؛ يقول -﵀-: "إذا تأملت إخراج ذلك النور البهي من نفس ذلك الحطب، ثم النبات الأخضر، ثم إخراج تلك الثمار على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومقاديرها، وألوانها، وصورها، وروائحها، ومنافعها، وما يراد منها. ثم تأمل أين كانت مستودعة في تلك الخشبة وهاتيك العيدان، وجعلت الشجرة لها كالأمّ، فهل كان في قدرة الأب العاجز الضعيف إبراز هذا التصوير العجيب، وهذا التقدير الحكيم، وهذه الأصباغ الفائقة، وهذه الطعوم اللذيذة، والروائح الطيبة، وهذه المناظر العجيبة؟ فسل الجاحد من تولى تقدير ذلك وتصويره وإبرازه، وترتيبه شيئًا فشيئًا، وسوق الغذاء إليه في تلك العروق اللطاف التي يكاد البصر يعجز عن إدراكها، وتلك المجاري الدقاق؟ فمن تولى ذلك كله، ومن الذي أطلع لها الشمس، وسخر لها الرياح، وأنزل عليها المطر، ودفع عنها الآفات إلخ" ٢.
فإيضاح الشيخ الأمين -﵀- لهذا البرهان الدال على أن الخالق متصف بصفات الكمال، متفرد بالخلق والإيجاد والعبادة: يرشد كل ذي عقل ولب إلى صرف جميع أنواع العبادات لله وحده جل وعلا، ويبعده عن عبادة ما سواه بأي نوع من أنواع العبادة، فلا شك أن الخالق اللطيف
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٣٣٢-٣٣٣. وانظر المصدر نفسه ٧/٧٩٠-٧٩١. ٢ مفتاح دار السعادة ١/٢٨١.
[ ١ / ١٤٥ ]
الخبير الموجد من العدم هو الإله المعبود بحق وحده جل وعلا.
وهذا الإيضاح من الشيخ -﵀- يدل على المكانة العظيمة لهذا الدليل الذي يلقم كل جاحد ومكابر ومشرك الحجة، ويجعل ألوهية الخالق ووحدانيته من الأمور البديهية التي لا يعرض عنها من رزقه الله عقلًا مستقيمًا، وفطرة سليمة.
خامسا: اختلاف الليل والنهار:
الليل والنهار من الآيات العظيمة الدالة على عظمة الخالق وكمال قدرته، وأنه المنعم على عباده بهذه النعم الجزيلة التي توجب عليهم ان يقابلوها بالشكر والثناء والانقياد لهذا الإله العظيم.
يقول الشيخ ﵀ مبينًا هذا الجانب: " والآيات الدالة على إختلاف الليل والنهار- من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله واستحقاقه للعبادة وحده-كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية ١، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ الآية ٣: وقوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾ ٥الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٦: والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٧: أي تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٣٧] . ٢ سورة يس، الآية [٣٧] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٤] . ٤ سورة يس، الآية [٤٠] . ٥ سورة النحل، الآية [١٢] . ٦ سورة يونس، الآية [٦] . ٧ سورة المؤمنون، الآية [٨٠] .
[ ١ / ١٤٦ ]
والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت، ويخالف بين الليل والنهار: أنه الإله الحق المعبود وحد جل وعلا، الذي لا يصح أن يسوى به غيره ﷾ علوًا كبيرًا" ١.
واختلاف الليل والنهار من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده، فلو كان الليل سرمدًا لتعطلت الحياة، وأصبح الإنسان في خمول وكسل. وكذلك النهار لو جعله الله ﷾ مستمرًا لكان الناس في تعب وإرهاق. لكنه العليم الخبير جعلهما يلفان الأرض، لا يتأخران عن وقتهما؛ فهما آيتان من آيات الله الباهرة التي يراها العباد في اليوم مرتين تنبئ عن وحدانية الخالق وعظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له.
سادسًا: اختلاف ألوان المخلوقات:
إن ما نراه حولنا في هذا الكون من مخلوقات ذات ألوان مختلفة دليل على حكمة الخالق، وعظمته جل وعلا، وسعة علمه.
وتنوع ألوان هذه المخلوقات برهان قاطع، ودليل قوي على كمال الخالق، واستحقاقه للعبادة وحده، ودليل على سفه من ادعى أن هناك خالقًا غير الله يعبد من دون الله، أو مع الله تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ولا شك أن من صرف شيئًا من خصوصيات الله لغير الله فقد جاء بغاية الكفر والضلال.
يقول الشيخ الأمين -﵀- موضحًا هذا الجانب: "إن اختلاف ألوان الآدميين، واختلاف ألوان الجبال، والثمار والدواب، والأنعام؛ كل ذلك
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٥/٨١٠-٨١١. وانظر المصدر نفسه ٥/٧٣٨-٧٣٩.
[ ١ / ١٤٧ ]
من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ١. واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال، وقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإيضاح، بقوله في سورة الرعد: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢"٣.
ويوضح -﵀- هذا الدليل في موضع آخر مؤكدًا على أهميته ودلالته على وحدانية الخالق العظيم، وعلى تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له في عبادته، وأنه هو الخالق لكل شيء، ولا يقع شيء إلا بمشيئته وإرادته، فليس لشيء من مخلوقاته تأثير إلا بأمره وتدبيره؛ فيقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٤:
"وأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في الأرض من الناس والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، وأنه الرب وحده، المستحق أن يعبد وحده. وأوضح هذا في آيات أخر؛ كقوله في سورة فاطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَمِنْ
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآيتان [٢٧-٢٨] . ٢ سورة الرعد، الآية [٤] . ٣ أضواء البيان ٦/٤٨٦. ٤ سورة النحل، الآية [١٣] . ٥ سورة فاطر، الآية [٢٧] .
[ ١ / ١٤٨ ]
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ١. ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له، ولا نظير له، ولا شريك له، وأنه المعبود وحده. وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا. كما أوضح ذلك في قوله: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢؛ فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان، والأشكال، والطعوم، والمقادير، والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد. ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بشيئته جل وعلا: أن النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقي فيها الحطب، وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولا شك أن الحطب أصلب، وأقسى، وأقوى من جلد إبراهيم ولحمه؛ فأحرقت الحطب بحرها، وكانت على إبراهيم بردًا وسلامًا لما قال لها خالقها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، فسبحان من لا يقع شيء كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا فعال لما يريد" ٤.
فالشيخ -﵀- استدل بهذه الألوان العجيبة والجميلة على حكمة الله وقدرته، وأنه الخالق المبدع؛ صور تلك الأشياء فأحسن خلقها وتصويرها،
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية [٢٢] . ٢ سورة الرعد، الآية [٤] . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٦٩] . ٤ أضواء البيان ٣/٢٢٧-٢٢٨.
[ ١ / ١٤٩ ]
فلا تتشابه المخلوقات بأشكالها ولا بألوانها، فلا رب سواه، ولا إله غيره، ولا شريك معه من خلقه.
ثم يستنتج -﵀- من هذا الدليل أيضًا أن لله المشيئة المطلقة؛ فما شاء كان، ومالم يشأ لم يكن. وأن من أسند شيئًا من أمور الخلق إلى غير الله فقد افترى على الله الكذب، وأتى بغاية الكفر والضلال؛ لأنه جل وعلا المتفرد بالخلق والأمر، والمستحق للعبادة وحده ﷾.
[ ١ / ١٥٠ ]
سابعًا: جريان السفن:
من آيات الله الباهرة الدالة على عظمته وقدرته وأنه المعبود وحده: جريان السفن على ظهر البحر، وتسخيرها للناس؛ فتعبر بهم المحيطات، وتنقل أثقالهم إلى بلاد بعيدة بيسر وسهولة وأمان، محفوظة –بحفظ الله سبحانه- من الأخطار.
وهذه الآية الكونية برهان عظيم على أن الخالق القادر هو الله ﷾، وهو المستحق لأن يعبد وحده، ولا يشرك معه شيء من مخلوقاته.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذا البرهان عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ﴾ ١؛ فقال: "أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده: الجواري؛ وهي السفن، واحدتها جارية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ٢؛ يعني سفينة نوح، وسميت جارية: لأنها تجري في البحر وماتضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر من آياته تعالى الدالة على كمال قدرته، جاء موضحًا في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِوَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَإِلآ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [٣٢] . ٢ سورة الحاقة، الآية [١١] . ٣ سورة يس، الآيات [٤١-٤٤] . ٤ سورة العنكبوت، الآية [١٥] .
[ ١ / ١٥١ ]
النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ الآية٢. وقوله في فاطر: ﴿َتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة٤.
فالشيخ الأمين -﵀- يستدل على استحقاق الله للعبادة بجريان السفن التي تحمل الأثقال –في خضم البحر المتلاطم الأمواج- بيسر وسهولة، مكلوءة بحفظ الله ﷾، ولاريب أن هذه الآية الكونية من آثار رحمة الله، ودلائل قدرته ووحدانيته وألوهيته، وهي واضحة للعيان، ولكل طالب للحق.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٦٤] . ٢ سورة النحل، الآية [١٤] . ٣ سورة فاطر، الآية [١٢] . ٤ أضواء البيان ٧/١٩٤.
[ ١ / ١٥٢ ]