هو الثقة بالله، والاعتماد عليه، والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب.
وهو من أعظم أنواع العبادة، ولا يتم إيمان العبد إلا به؛ قال تعالى:
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
عرفه الشيخ -﵀- بقوله: "التوكل على الله: الثقة به، وإسناد الأمور وتفويضها إليه مع تعاطي الأسباب؛ لأن الله أمر بها. ولابد مع تعاطيها من الثقة بأنه لا يقع إلا ما أراد الله تعالى" ٣.
وهو -﵀- حين وضح أن التوكل اعتماد على الله، وثقة به مع تعاطي الأسباب أكد أن التوكل لا يكون إلا على من يستحق العبادة، وهو الله جل وعلا؛ يقول -﵀- عند تفسير سورة الفاتحة: "وإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبنيًا واضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿ُفَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ٤ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ٥، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [١٢٣] . ٢ سورة المائدة، الآية [٢٣] . ٣ معارج الصعود ص٣٠٧. ٤ سورة هود، الآية [١٢٣] . ٥ سورة التوبة، الآية [١٢٩] .
[ ١ / ١٦٣ ]
وَكِيلًا﴾ ١ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات٣.
ويذكر -﵀- الأدلة على أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فيقول: "ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ٤، مع أنه تعالى لو أراد لأسقطه لها بدون هز منها. ومن أوضح الأدلة على ذلك قول يعقوب –الذي وصفه الله بالعلم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٥: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ ٦ محافظة عليهم من العين، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٧، فقد أخذ بالأسباب والحيطة، وصرح بأن الآعتماد على الله تعالى وحده، فهو متوكل وآخذ بالأسباب. ومما يدل أن السبب لا ينفع إلا بإرادة الله ما قصه الله في سورة الأنبياء وغيرها عن إبراهيم ﵇؛ فالنار طبيعتها المستمرة: الإحراق، ولكن عندما لم يرد الله لها أن تؤثر في إبراهيم أحرقت الحطب، وكانت عليه بردًا وسلامًا في آن واحد؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٨. فالمؤثر في الحقيقة هو رب العالمين، ولو شاء أن تتخلف مقتضيات الأسباب لتخلفت، كما أنه لو شاء أن يجعل ما لم تجر العادة بأن يكون من الأسباب سببًا لجعله كذلك"٩.
_________________
(١) ١ سورة المزمل، الآية [٩] . ٢ سورة الملك، الآية [٢٩] . ٣ أضواء البيان ١/١٠٤. ٤ سورة مريم، الآية [٢٥] . ٥ سورة يوسف، الآية [٦٨] . ٦ سورة يوسف، الآية [٦٧] . ٧ سورة يوسف، الآية [٦٧] . ٨ سورة الأنبياء، الآيتان [٦٨-٦٩] . ٩ معارج الصعود ص٢١٤. وانظر المصدر نفسه ص١١٣، ٣٠٧.
[ ١ / ١٦٤ ]
وهذا الذي بينه الشيخ -﵀- من أن التوكل لا يتم إلا بالأسباب مع الاعتقاد أن الأسباب لا تفيد إلا إذا أرادها الله ﷾ أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بقوله: "فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع. فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله. لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله؛ كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو ويحمل السلاح ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط مذموم" ١.
وأما عن ثمرات هذا التوكل، فيذكر الشيخ الأمين -﵀- أن التوكل الصحيح على الله سبب للوقاية من كل مكروه، والحفظ من كل شر؛ يقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ ٢: "دليل واضح على أن التوكل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه: سبب للحفظ والوقاية من كل سوء وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون التوكل على الله سببًا للحفظ والوقاية من السوء جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ٤"٥.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٨/٥٢٨-٥٢٩. وانظر: مدارج السالكين ٢/١٢٠. وشرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٥٢٠. ٢ سورة غافر، الآيتان [٤٤-٤٥] . ٣ سورة الطلاق، الآية [٣] . ٤ سورة آل عمران، الآيتان [١٧٣-١٧٤] . ٥ أضواء البيان ٧/٨٩.
[ ١ / ١٦٥ ]