الحشر: هو جمع الناس حفاة، عراة، غرلًا، بهمًا، على صعيد واحد للحساب والجزاء يوم القيامة١.
وقد دلّ الكتاب والسنة على الحشر؛ فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢.
وقال رسول الله ﷺ: "تحشرون حفاة عراة غرلًا"، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشدّ من أن يهمهم ذاك "٣.
ولقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- الحشر، وكيفيته، وأنواعه؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ٤: "أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي؛ وهو الملك الذي ينفخ في الصور، ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنّ الناس يوم البعث يخرجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر قاصدين نحو الداعي، جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: لمعة الاعتقاد ص٢٦. وأضواء البيان ٤/١١٢. ٢ سورة الكهف، الآية [٤٧] . ٣ صحيح البخاري ٧/١٩٥. ٤ سورة ق، الآية [٤٤] . ٥ سورة المعارج، الآية [٤٣] .
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ١"٢.
وقال أيضًا -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣: "أي، والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة؛ أي حفاة عراة غرلًا؛ أي غير مختونين. كلّ واحد منكم فرد لا مال معه، ولا ولد، ولا خدم، ولا حشم"٤.
وقد أوضح الشيخ -﵀- أنّ الحشر عام لجميع المخلوقات، حيث قال: "إنّ هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ٥"٦.
أقسام المحشورين وكيفية حشرهم:
(١) - حشر المتقين:
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ ٧: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدًا والوفد من يأتي إلى الملك مثلًا في أمر له شأن"٨.
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية [٥١] . ٢ أضواء البيان ٧/٦٥٥-٦٥٦. ٣ سورة الكهف، الآية [٤٨] . ٤ أضواء البيان ٤/١١٤. وانظر المصدر نفسه ٤/٥١٦. ٥ سورة الأنعام، الآية [٣٨] . ٦ أضواء البيان ٤/١١٢. وانظر المصدر نفسه ٦/٤٣٩. ٧ سورة مريم، الآية [٨٥] . ٨ أضواء البيان ٤/٣٩٠-٣٩١.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
ثمّ بين -﵀- كيفية حشرهم، فقال: "وجمهور المفسرين على أنّ معنى قوله: ﴿وفدا﴾؛ أي ركبانًا. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وبعضهم يقول: يحشرون ركبانًا على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة - إلى أن قال: وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة.
أما من القبر، فالظاهر أنهم يحشرون مشاة بدليل حديث ابن عباس الدالّ على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا. هذا هو الظاهر، وجزم به القرطبي، والعلم عند الله" ١.
(٢) - حشر الكافرين وشياطينهم:
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ٢: "أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة أنه يحشرهم، أي الكافرين المنكرين للبعث، وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثيًا.
وهذان الأمران اللذان ذكرهما في الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم، فقد أشار إليه في قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٣"٤.
وقال -﵀- أيضًا: "فقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٣٩١-٣٩٢. ٢ سورة مريم، الآية [٦٨] . ٣ سورة الصافات، الآية [٢٣] . ٤ أضواء البيان ٤/٣٤٥.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وَأَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أي: اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم. وبذلك نعلم أنّ قول من قال: المراد بأزواجهم: نساؤهم اللاتي على دينهم –خلاف الصواب. وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعًا النار"١.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٦/٦٨١-٦٨٢. وانظر المصدر نفسه ٦/٤٣٩-٤٤٠. ودفع إيهام الاضطراب الملحق بأضواء البيان- ١٠/٢٢٧-٢٢٨.
[ ٢ / ٤٨٧ ]