علم الغيب من خصائص الألوهية، وليس من صفات الأنبياء؛ لأنهم بشرٌ اصطفاهم الله لتبليغ أوامره ونواهيه، ولا يعلمون من المستقبل إلا ما أطلعهم الله عليه، وأذن لهم به.
وقد تناول الشيخ الأمين –﵀- هذا الموضوع بذكر الأدلة
التي تؤكد عجز الأنبياء عن الإطلاع على أمور كانت تخصهم، وأحوال كانوا عاجزين عن معرفة الحقيقة فيها؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ١: "وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا. وعن عائشة ﵂، قالت: من زعم أن رسول الله - ﷺ - يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢. أخرجه مسلم٣"٤.
ثم ذكر -﵀- أن الله أمر نبيه ﷺ في هذه الآية أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [٥٩] . ٢ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٣ صحيح مسلم ١/١٥٩. ٤ أضواء البيان ٢/١٩٥.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١. ثم ساق -﵀- أمثلة ووقائع حصلت للرسل تدل على أنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه؛ فذكر أولًا أمثلة ووقائع حصلت لرسولنا ﷺ تدل على أنه لا يعلم الغيب، ثم أتبعها بوقائع حصلت لعدد من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، تدل أيضًا على أنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه؛ فقال -﵀-: "لما رميت عائشة ﵂ بالإفك لم يعلم؛ أهي بريئة أم لا، حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ ٢. وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتىأخبروه، وقالوا له: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ٣..
ولما جاؤا لوطًا لم يعلم أيضًا أنهم ملائكة، ولذا ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة، حتى قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ الآيات٤..
ويعقوب ﵇ ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهر الله خبر يوسف. وسليمان ﵇، مع أن الله سخر له الشياطين والريح، ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد، وقال له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ الآيات٥. ونوح –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم، حتى قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [٥٠] . ٢ سورة النور، الآية [٢٦] . ٣ سورة هود، الآية [٧٠] . ٤ سورة هود، الآيتان [٨٠-٨١] . ٥ سورة النمل، الآيات [٢٢-٢٨] .
[ ٢ / ٣٨٣ ]
مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ﴾ الآية١، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢. وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٣. والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٤"٥.
ثم عقب -﵀- على هذه الأمثلة بقوله: "فقد ظهر أن أعلم المخلوقات –وهم الرسل-، والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما شاء؛ كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٦، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًاإِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول﴾ ٧"٨.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وقد أطلع الله جلّ وعلا نبينا ﷺ، على أمور كثيرة من المغيبات، حتى إنه قام ذات يوم يخطب في قومه من بعد صلاة الفجر حتى الظهر، ثم صلى الظهر وقام
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [٤٥] . ٢ سورة هود، الآية [٤٦] . ٣ سورة هود، الآية [٣١] . ٤ سورة البقرة، الآيتان [٣١-٣٢] . ٥ أضواء البيان ٢/١٩٥-١٩٦. ٦ سورة آل عمران، الآية [١٧٩] . ٧ سورة الجن، الآيتان [٢٦-٢٧] . ٨ أضواء البيان ٢/١٩٦-١٩٧.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يخطب فيهم حتى صلى العصر، ثم قام يخطب حتى صلى المغرب، وذكر أمورًا كثيرة هائلة في ذلك اليوم، حفظها من حفظ، ونسيها من نسي١. وقد أخبر الله جلّ وعلا أنه هو المختص بعلم الغيب، حيث نفاه عن كلّ أحد سواه، وأثبته لنفسه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢"٣.
وقد سئل -﵀-: أيجوز إطلاق علم الغيب على أحد من الرسل الذين أطلعهم الله على بعض المغيبات، كما يطلق على الذي يعلم مسائل الفقه أنه فقيه، أم لايجوز ذلك؟.
فأجاب -﵀- على هذا السؤال إجابة مفصلة قال فيها: "إن ذلك لايجوز أبدًا؛ لأن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كل خلقه. وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به، وليس هذا من تعظيم الرسل كما يزعم بعضهم، بل إن تعظيم الرسل في نفي علم الغيب عنهم؛ لأنهم هم الذين أخبرونا أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وأنهم لا يعلمون إلا ما علمهم به هو. وفرق بعيد بين ما ذكر من كون من يعلم بعض المسائل الفقهية يطلق عليه أنه فقيه، وبين من أطلعه الله على بعض الغيب؛ فإن الأول علم مسائل الفقه بملكة راسخة فيه يستطيع بها أن يصل إلى علم المسائل باستمرار. أما الثاني فلا طريق له إلى الوصول إلى علم الغيب فيه إلا ما أخبره الله به. وهذا آخر الرسل وأفضلهم؛ نبينا ﷺ، يقول الله تعالى عنه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢١٧. ٢ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٣ معارج الصعود، ص١٠٢.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. والله جلّ وعلا يخاطب خلقه بقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٢: فهل فطن الذين يزعمون أن الرسول ﷺ علم كل المغيبات لهذه الآيات وأمثالها مما يصعب حصره، ثم هو ﷺ في حجة الوداع في آخر حياته يقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" ٣. وقد سبق أن الله تعالى أطلعه على كثير من المغيبات، ومما أخبر به ووقع ما جاء في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتتركن القلاص٤ فلا يسعى عليها "٥. ومن أكثر الناس حفظًا ورواية لما أخبر به النبي ﷺ من المغيبات: حذيفة وأبو هريرة ﵄" ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٨٨] . ٢ سورة الإسراء، الآية [٨٥] . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٢٨. ومسلم في صحيحه ٢/٨٧٩، من حديث عائشة ﵂. ٤ القلوص من النوق: الشابة. وهي من النوق بمنزلة الجارية من النساء. وجمعها قُلُص –بضمتين-، وقلائص. وجمع القبص: قلاص. (مختار الصحاح للرازي، ص٥٤٨) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٣٦، من حديث أبي هريرة، وقد ذكره الشيخ الأمين -﵀- بالمعنى، وليس فيه: والذي نفسي بيده. ٦ معارج الصعود، ص١٠٣-١٠٤. وانظر: المصدر نفسه، ص١١٢. وأضواء البيان ٢/٣٤٠. ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٣٠٢.
[ ٢ / ٣٨٦ ]