سماع الموتى من المسائل الخلافية بين العلماء، فمنهم من يرى أنّ الأصل أنّ الموتى لا يسمعون؛ ويستثنون ما ورد فيه النصّ، مثل حديث خفق نعال المشيعين بعد الدفن، وسماع أهل القليب يوم بدر لنداء الرسول ﷺ، وخطابه لهم؛ فهو سماع مخصوص ببعض الأحوال.
وقال أصحاب هذا القول: إنّ هذه قضايا جزئية لا تُشكّل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور١.
ومن العلماء من يرى أنّ الموتى يسمعون كلام من كلمهم، وأنهم يسمعون سلام الأحياء وخطابهم. ويرون أنّ هذا السماع غير مخصوص بوقت معين، ولا بإنسان بعينه٢.
وقد استدلّ الفريق الأول بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣، وبقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٤.
واستدلّ المجيزون بحديث أهل القليب، وحديث قرع النعال، وقالوا: إنه غير مخصوص بأحد، ولا بوقت؛ إذ لا دليل على التخصيص.
وأجابوا عن الآيتين: أنّ المراد بالموتى هنا: الأشقياء الذين لا يسمعون
_________________
(١) ١ انظر مقدمة تحقيق كتاب الآيات البينات ص٤٠-٤١ للآلوسي تحقيق الشيخ الألباني. ٢ انظر: المصدر نفسه ص٣٧. وتفسير القرطبي ١٣/١٥٤ –وهو الراجح عنده- وأهوال القبور لابن رجب ص٧٦-٧٧. وأضواء البيان ٦/٤٢١-٤٣٩. ٣ سورة فاطر، الآية [٢٢] . ٤ سورة النمل، الآية [٨٠] .
[ ٢ / ٤٦٤ ]
الحقّ سماع هدى وقبول١.
وقد استطرد الشيخ الأمين -﵀- في بيان هذه المسألة، والخلاف الذي وقع فيها، ورجح سماع الأموات لكلام الأحياء وخطابهم، واستدلّ على ذلك بحديث القليب، وحديث خفق النعال، وقال: إنه غير مخصوص بوقت، ولا بإنسان ومما قاله -﵀-: "اعلم أنّ الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أنّ الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأنّ قول عائشة ﵂، ومن تبعها: إنهم لا يسمعون، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٢، وما جاء بمعناها من الآيات: غلط منها، وممن تبعها. وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبنيّ على مقدمتين:
الأولى منهما: أنّ سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث متعددة ثبوتًا لامطعن فيه، ولم يذكر ﷺ، أنّ ذلك خاصّ بإنسان ولابوقت.
والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة: لا يجب الرجوع إليه؛ لأنّ غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا تردّ النصوص الصحيحة عن النبيّ ﷺ بتأويل بعض الصحابة بعض الآيات"٣.
_________________
(١) ١ انظر: أضواء البيان ٦/٤١٦-٤٢١. ٢ سورة النمل، الآية [٨٠] . ٣ أضواء البيان ٦/٤٢١.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وساق الشيخ -﵀- أدلة للمقدمة الأولى: منها حديث أهل القليب، الذي رواه أبو طلحة ﵁، وفيه: " حتى قام على شفة الركى، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ﷺ ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "، قال قتادة: أحياهم الله له حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندامة١.
وقد عقب الشيخ الأمين -﵀- على هذا الحديث بقوله: (فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبيّ ﷺ أنّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول ﷺ من الموتى بعد ثلاث. وهو نصّ صحيح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ في ذلك تخصيصا. وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر) ٢.
وقد ذكر الأمين -﵀- أيضًا حديث القليب من رواية عمر ابن الخطاب٣، وابنه عبد الله٤، وأنس٥، ثمّ ختمه بقوله: (فيها التصريح من النبيّ ﷺ بأنّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله ﷺ. وقد أقسم ﷺ على ذلك ولم يذكر تخصيصا) ٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح ٥/٨-٩. ٢ أضواء البيان ٦/٤٢٢. ٣ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢٠٢. ٤ انظر صحيح البخاري ٢/١٠١، ٥/٩. ٥ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢٠٣. ٦ أضواء البيان ٦/٤٢٢.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
واستدلّ الشيخ الأمين أيضًا بما رواه البخاري عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ محمد ﷺ؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا في الجنة" الحديث١.
وعقب عليه الشيخ -﵀- بقوله: "وقد رأيت في هذا الحديث الصحيح تصريح النبيّ ﷺ بأنّ الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نصّ صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ فيه تخصيصًا) ٢.
وذكر حديث أنس هذا من طريق مسلم٣.
ومن الأحاديث التي استدلّ بها -﵀- على سماع المقبورين حديث عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبيّ ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ٤.
ثمّ ذكر الشيخ -﵀- لهذا الحديث شواهد أخرى، وعقب عليها بقوله: "وخطابه ﷺ لأهل القبور بقوله: "السلام عليكم"، وقوله: "إنا إن شاء الله بكم"، ونحو ذلك يدلّ دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم. ولاشك أنّ ذلك ليس من شأن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح ٢/١٠٢. بألفاظ متقاربة. ٢ أضواء البيان ٦/٤٢٢. ٣ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢٠٠-٢٢٠١. ٤ انظر صحيح مسلم ٢/٦٦٩.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
العقلاء، فمن البعيد جدا صدوره منه ﷺ "١.
وقد ختم الشيخ -﵀- هذا المبحث بقوله: "إنّ الذي يرجحه أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم، سواء قلنا: إنّ الله يردّ عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردوا الجواب، أو قلنا: إنّ الأرواح أيضا تسمع وتردّ بعد فناء الأجسام"٢.
وهذه المسألة –كما مرّ- خلافية، ولكلّ أدلته. وللشيخ الأمين ﵀ سلف فيما ذهب إليه فكثير من العلماء قالوا بسماع الموتى، بل لقد قال ابن عبد البر: "إنّ الأكثرين على ذلك"،وهو اختيار ابن جرير الطبري٣، والقرطبي٤وابن كثير٥وابن القيم٦وابن رجب٧ ﵏.
ومن العلماء من خصص السماع بما ورد السمع بسماعه، وهو اختيار الشوكاني٨، والألوسي٩، والألباني١٠.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٦/٤٢٦. ٢ أضواء البيان ٦/٤٣٨-٤٣٩. ٣ انظر روح المعاني ٢١/٥٥. ٤ الجامع لأحكام القرآن ١٣/١٥٤. ٥ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٣٨. ٦ الروح ص١٠، ٢٠، ٢١. زاد المعاد ٣/٦٨٥. ٧ أهوال القبور ص٧٦-٨١. وابن رجب: هو الحافظ عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي ثم الدمشقي. محدث حافظ فقيه. ولد في بغداد سنة (٧٠٦)، وتوفي بدمشق سنة (٧٩٥هـ) . (انظر: شذرات الذهب ٦/٣٣٩. ومعجم المؤلفين ٥/١١٨) . ٨ فتح القدير ٤/١٥١. والشوكاني: هو العلامة محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليماني الصنعاني. ولد عام (١١٧٣هـ) بهجرة شوكان باليمن، ونشأ في صنعاء، وتوفي فيها عام (١٢٥٠؟) وكان عالمًا بالتفسير والحديث والفقه. (انظر: الأعلام ٦/٢٩٨) . ٩ روح المعاني ٢١/٥٨. والألوسي: هو شهاب الدين أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي. ولد في بغداد سنة (١٢١٧هـ)، وتوفي سنة (١٢٧٠هـ) . (انظر: التفسير والمفسرون ١/٣٥٢. والأعلام ٧/١٧٦) . ١٠ مقدمة تحقيق الآيات البينات ص٤٠. والألباني: هو أبو عبد الرحمن محمد بن ناصر الدين بن نوح الألباني. من كبار المحدثين في هذا العصر. ولد في مدينة أشقودرة في ألبانيا سنة (١٣٣٣هـ) ثم انتقلت عائلته إلى بلاد الشام (انظر: علماؤنا ص٤٠-٤٣) .
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كلام وسط بين القولين: وهو أنّ الميت يسمع سماعا لايفيده؛ فقد قال -﵀-: فإنّ قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ١ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإنّ هذا مثل ضرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ٢، فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم"٣. وما قاله شيخ الإسلام -﵀- هو الراجح فهم لا يستفيدون بهذا السماع٤.
والعجيب أنّ الشيخ الأمين -﵀- نقل كلام شيخ الإسلام هذا ضمن أدلته على سماع الموتى، ثمّ بنى عليه حكما فقهيا، وهو ترجيحه جواز تلقين الميت٥ مع أنّ كلام ابن تيمية -﵀- يقول بأنّ الميت يسمع سماعا لايفيده، وقد سئل شيخ الإسلام -﵀- عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه: هل صحّ فيه حديث عن النبيّ ﷺ، أو عن صحابته..؟ فأجاب -﵀-: "هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية [٨٠] . ٢ سورة البقرة، الآية [١٧١] . ٣ الفتاوى ٤/٢٩٨. ٤ ومما يؤيد ذلك أيضا ما ذهب إليه ابن أبي العز الحنفي -﵀- شارح الطحاوية قال: (ومن قال إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده باعتبار سماعه كلام الله فهذا لم يصح عن أحد في الأئمة المشهورين ولاشك في سماعه ولكن انتفاعه بالسماع لايصح فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته بل ربما يتضرر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه أو لكونه لم يزدد من الخير) شرح الطحاوية ص٥١٨. ٥ انظر أضواء البيان ٦/٤٣٥-٤٣٧.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
من الصحابة أنهم أمروا به؛ كأبي أمامة الباهلي، وغيره. وروي فيه حديث عن النبيّ ﷺ. لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك..) ١.
وعلى كل: فما رجحه الشيخ الأمين -﵀- من جواز تلقين الميت محلّ نظر؛ لأنّ التلقين بعد الموت من الأشياء التي لم يرد فيها دليل من كتاب أو سنة صحيحة. وهذا من أمور الغيب التي لا تثبت إلا بدليل فالصحيح عدم التلقين لأن الرسول ﷺ كان يقول لأصحابه بعد الدفن " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" ولم يثبت عنه أنه لقن ميتا فعلينا بالاتباع وترك الابتداع.
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٢٩٦.
[ ٢ / ٤٧٠ ]