من أشراط الساعة الكبرى: نزول عيسى ﵇ من السماء حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الدجال والخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة الإسلام. ويظهر يأجوج ومأجوج فيدعو عليهم فيموتوا ببركة دعائه١.
ثمّ يمكث في الأرض سبع سنين٢، فينتشر الأمن في الأرض، وتظهر الأرض بركاتها؛ قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها "٣.
وقد تحدث الشيخ الأمين –﵀-، عن نزول عيسى ﵇، وأنه من علامات الساعة؛ فقال -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ ٤:
"التحقيق أنّ الضمير في قوله: ﴿وإنه﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى القرآن، ولا إلى النّبي ﷺ. ومعنى قوله: ﴿لعلم للساعة﴾ على القول الحقّ الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة، هو أنّ نزول عيسى في آخر الزمان حيًّا علم للساعة؛ أي علامة
_________________
(١) ١ انظر: النهاية لابن كثير ١/١٩٤. وشرح الطحاوية ص٥٦٥. ٢ راجع صحيح مسلم ٤/٢٢٥٨-٢٢٥٩. ٣ صحيح البخاري ٤/١٤٣. ٤ سورة الزخرف، الآية [٦١] .
[ ٢ / ٤٤٩ ]
لقرب مجيئها؛ لأنه من أشراطها الدالة على قربها"١.
وقد تطرق الأمين -﵀- عند ذكره لنزول عيسى ﵇ إلى شبهة يعتقدها من لا تحقيق عندهم بزعمهم أنّ عيسى قد توفي٢، مثل اعتقاد ضلال اليهود والنصارى. ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ٤. وقد رد -﵀- هذا الفهم، وبين أنه لا دلالة في الآيتين على أن عيسى ﵇ قد توفي.
وقد استعان الشيخ الأمين –﵀-، في ردّ مفهومهم بعلوم اللغة أثناء تفسيره لهاتين الآيتين، وذكر اختلاف أهل الأصول في الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية. وقد أطال -﵀- في تقرير ذلك.
وخلاصة كلامه -﵀- أنه جعل لقوله تعالى: ﴿إني متوفيك﴾ أربعة توجيهات للمراد بالوفاة، كلها تنفي مزاعم من قال بوفاته ﵇، وقد بين هذه التوجيهات بقوله: "الأول: إنّ قوله تعالى: ﴿متوفيك﴾ لايدلّ على تعيين الوقت، ولايدلّ على كونه قد مضى. وهو متوفيه قطعًا يومًا ما، ولكن لا دليل على أنّ ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه: ﴿ورافعك إليّ﴾ على قوله: ﴿متوفيك﴾ فلا دليل فيه؛ لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أنّ الواو لاتقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك"٥.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٢٦٣. ٢ انظر كلام الشيخ محمد عبده في تفسير المنار ٣/٣١٦-٣١٧، والشيخ محمود شلتوت في الفتاوى ص٥٩-٨٢؛ حيث أنكرا رفع عيسى ببدنه، ونزوله في آخر الزمان، وقالا عن الأحاديث: إنها أحاديث آحاد. ٣ سورة آل عمران، الآية [٥٥] . . ٤ سورة المائدة، الآية [١١٧] . ٥ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بالأضواء ١٠/٥١-.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
ثمّ ذكر -﵀- التوجيه الثاني والثالث، فقال: "إنّ معنى "متوفيك" أي مُنيمك. ورافعك إليّ: أي في تلك النومة. وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ١، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٢، وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدلّ بالآيتين المذكورتين٣.
الوجه الثالث: أنّ متوفيك، اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: توفى فلان دينه، إذا قبضه إليه. فيكون معنى (متوفيك) على هذا: قابضك منهم إليّ حيا. وهذا القول هو اختيار ابن جرير٤. وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أيامًا، ثمّ أحياه، فالظاهر أنه من الإسرائيليات. وقد نهى ﷺ عن تصديقها وتكذيبها٥.
ثمّ قال -﵀-: "وأما الوجه الرابع من الأوجه المذكورة سابقًا: أن الذين زعموا أنّ عيسى قد مات، قالوا: إنه لا سبب لذلك الموت، إلا أنّ اليهود قتلوه وصلبوه. فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره تحققنا أنه لم يمت أصلًا. وذلك السبب الذي زعموه منفيّ يقينًا بلا شك؛ لأنّ الله جلّ وعلا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ ٧. وضمير رفعه ظاهر في رفع الجسم والروح معًا كما لا يخفى"٨.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [٦٠] . ٢ سورة الزمر، الآية [٤٢] . ٣ تفسير ابن كثير ١/٣٦٦. ٤ تفسير الطبري ٣/٢٩١. ٥ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بالأضواء- ١٠/٥١-٥٢. ٦ سورة النساء، الآية [١٥٧] . ٧ سورة النساء، الآيتان [١٥٧-١٥٨] . ٨ أضواء البيان ٧/٢٧٣.
[ ٢ / ٤٥١ ]
أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾: فقد نفى الشيخ الأمين -﵀- دلالتها على موت عيسى ﵇ من وجهين، فقال -﵀-:
"الأول منهما: أنّ عيسى يقول ذلك يوم القيامة، ولاشك أنه يموت قبل يوم القيامة؛ فإخباره يوم القيامة بموته لايدلّ على أنه الآن قد مات كما لا يخفى.
والثاني منهما: أنّ ظاهر الآية أنه توفي رفع وقبض للروح والجسد، لا توفي الموت. وإيضاح ذلك: أنّ مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم، في قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ الآية١ تدل على ذلك؛ لأنه لو كان توفي موتًا لقال: ما دمت حيًا، فلما توفيتني؛ لأنّ الذي يقابل بالموت هو الحياة؛ كما في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٢. أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم إلى موضع آخر. وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية. وهذا لا إشكال فيه"٣.
وفي الختام، يقول -﵀-: "والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح، والسنة المتواترة عن النبيّ ﷺ كلاهما دالّ على أنّ عيسى حيّ، وأنه سينزل في آخر الزمان، وأنّ نزوله من علامات الساعة، وأنّ معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه، ومن تبعهم هو: إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أنّ ذلك المقتول الذي هو شبه بعيسى هو عيسى"٤.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [١١٧] . ٢ سورة مريم، الآية [٣١] . ٣ أضواء البيان ٧/٢٧١-٢٧٢. وانظر المصدر نفسه ١/٣٤٢. ٧/٢٦٣-٢٧٥. ودفع إيهام الاضطراب –الملحق بالأضواء ١٠/٥٠-٥٢. ٤ أضواء البيان ٧/٢٧٣.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
فالشيخ -﵀- يأبى المسلك الذي يصادم التفسير الصحيح والسنة المتواترة.
وما ذهب إليه الشيخ -﵀- هو مذهب أساطين أئمة المفسرين؛ كالطبري١، والقرطبي٢، وابن تيمية٣، وابن كثير٤.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٣/٢٩١. ٢ انظر تفسير القرطبي ٤/٦٥. ٣ انظر فتاوى شيخ الإسلام ٤/٣٢٢-٣٢٣. ٤ انظر تفسير ابن كثير ١/٣٦٦-٣٦٧.
[ ٢ / ٤٥٣ ]