أشار الشيخ الأمين –﵀- إلى أن أولي العزم من الرسل خمسة، هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ١.
ولم يرتض -﵀- قول من قال: إنهم جميع الرسل، بل قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢: "اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافًا كثيرًا، وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب، والشورى؛ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة، فصار هو ﷺ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة "من" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ بيانية٣يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية: كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية٤، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية [٧] . ٢ سورة الأحقاف، الآية [٣٥] . ٣ انظر: لوامع الأنوار البهية ٢/٢٩٩، فقد ذكر اختلاف العلماء في تحديد أولي العزم من الرسل، ونقل عن ابن زيد قوله: إنهم جميع الرسل. ٤ سورة القلم، الآية [٤٨] .
[ ٢ / ٣٩٠ ]
لأنه هو صاحب الحوت. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ١. فآية القلم، وآية طه المذكورتان، كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما قرره الشيخ الأمين –﵀- هو المشهور عند العلماء. قال السفاريني٣﵀-: "أهل العزم: أي أهل الثبات والجد من الرسل، وهم على المشهور: إبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى الروح، ونوح النجي، فيكونون خمسة بنبينا محمد ﷺ، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٤، فإنهم أصحاب الشرائع، وقدم نبينا ﷺ تعظيمًا له، وتكريمًا لشأنه. وهؤلاء الذين اجتهدوا في تأسيس الشرائع وتقريرها، وصبروا على تحمل المشاق من قومهم، ومعاداة الطاغين فيها"٥.
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١١٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٤٠٨. وانظر المصدر نفسه ٤/٥٢٣، ٦/٥٧٢. ٣ تقدمت ترجمته. ٤ سورة الأحزاب، الآية [٧] . ٥ لوامع الأنوار البهية ٢/٢٩٩.
[ ٢ / ٣٩١ ]
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟
وردت في القرآن أدلة تشعر بأن آدم ﵇ هو أول الرسل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ٣.
قال الإمام الطبري٤﵀- في تفسيره: "لأن آدم كان هو النبي ﷺ أيام حياته بعد أن أهبط إلى الأرض والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنيًا –وهو الرسولﷺ بقوله: "فإما يأتينكم مني هدى" خطابًا له ولزوجته: فإما يأتينكم مني هدى، أنبياء ورسل إلا على ما وصفت من التأويل"٥.
وقال القرطبي٦﵀-: " سئل رسول الله ﷺ عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: "نعم، نبي مكلم" ٧، قال ابن عطية٨:
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٢ سورة طه، الآية [١٢٢] . ٣ سورة البقرة، الآية [٣٨] . ٤ تقدمت ترجمته. ٥ جامع البيان ١/٢٤٧. ٦ تقدمت ترجمته. ٧ أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة، ولفظه: أن رجلًا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم، مكلم". (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٨/٢٤) . ٨ هو العلامة أبومحمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي. كان إمامًا في الفقه والتفسير واللغة العربية. ولد سنة [٤٨٠هـ]، وتوفي سنة [٥٤١هـ] . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/٥٨٦. والأعلام ٣/٢٨٢ إلا أنه ذكر أنه ولد سنة [٤٨١هـ]، وتوفي سنة [٥٤٢هـ]) .
[ ٢ / ٣٩٢ ]
على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه. ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية١؛ أي على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح. وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية٢، والله أعلم."٣.
وهذا جمع حسن، وفق الشيخ -﵀- من خلاله بين أدلة الفريقين، ولم يرجح قول أحدهما على الآخر.
وللشيخ حافظ حكمي٤﵀- كلام مماثل للوجه الأخير من كلام الشيخ الأمين –﵀-، قال فيه: "إن نوحًا أول الرسل والنبيين بعد الاختلاف، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٥؛ لأن أمته أول من اختلف وغير وبدل، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٦، وإلا فآدم قبله كان نبيًا رسولًا، وكان الناس أمة واحدة على دينه"٧.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [١٩] . ٢ سورة البقرة، الآية [٢١٣] . ٣ أضواء البيان (١/٢٨٦) . ٤ هو العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي. إمام وعالم سلفي. ولد سنة [١٣٤٢؟] بقرية السلام بالقرب من جيزان. كان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم. توفي سنة [١٣٧٧؟] . (انظر: الأعلام ٢/١٥٩. والمستدرك على معجم المؤلفين، ص ١٨٣) . ٥ سورة النساء، الآية [١٦٣] . . ٦ سورة غافر، الآية [٥] . ٧ معارج القبول ٢/٩٨.
[ ٢ / ٣٩٤ ]