حذر الرسول ﷺ من الحلف بغير الله، وذلك لسد الطرق الموصلة للشرك، وحماية لجناب التوحيد، وحتى يكون الدين كله لله.
قال ﵊: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "١.
وهذا الشرك الذي عناه الرسول ﷺ بقوله:"أشرك"هو الشرك الأصغر، الذي لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه على خطر عظيم إن لم يتب منه.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى أنه لا يجوز الحلف بغير الله، ومن حلف فإن يمينه باطلة، وإنما يكون الحلف صحيحًا إذا كان بالله، أو بأسمائه، أو صفاته.
قال -﵀-: "اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق؛ لقوله ﷺ: "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت" ٢"٣.
ثم يرد -﵀- على من جوز الحلف برسول الله ﷺ مبينًا أن ذلك مصادمة للأمر النبوي الكريم المانع من الحلف بغير الله، فيقول: "ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا ما كان، كما أنه لا تجوز بإجماع من
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٤/١١٠، وقال: هذا حديث حسن. ٢ أخرجه البخاري ٧/٢٢١. ٣ أضواء البيان ٢/١٢٣. وانظر المصدر نفسه ٣/٣٤.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يعتدّ به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله. فقول بعض أهل العلم١ بانعقاد اليمين به ﷺ لتوقف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم" ٢.
وهذا الذي قرره الشيخ الأمين -﵀- هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حين ذكر تنازع الناس في الحلف بالنبي ﷺ، ثم قال بعد ذلك: "إن الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أن لا يحلف بمخلوق؛ لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد" ٣.
وإذا كان الشيخ الأمين ﵀ يبيّن أن ليس للمخلوق أن يحلف بغير الله، فإنه يؤكد في موضع آخر أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه، فيقول ﵀: " والله جلّ وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا ﷺ. وفي ذلك من التشريف له ﷺ ما لا يخفى"٤
وما بينه الشيخ -﵀- من أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه أشار إليه الشيخ سليمان بن عبد الله٥ -﵀- بقوله: "فإن قيل إن الله أقسم بالمخلوقات في القرآن. قيل: ذلك يختص بالله ﵎؛ فهو يقسم بما شاء من خلقه لما في ذلك من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته،
_________________
(١) ١ منهم الإمام أحمد -﵀- في الرواية الأخرى، انظر مجموع الفتاوى ١/٣٣٥. ٢ أضواء البيان ٢/١٢٣. ٣ فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/٣٤٩. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص٥٩٠. ٤ أضواء البيان ٣/٣٤. ٥ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وإلهيته، وعلمه، وحكمته، وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى. فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهانا عن الحلف بغيره، فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله" ١.
وهكذا نرى الشيخ الأمين -﵀- يؤكد أن للخالق جل وعلا أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يقسم بأحد سوى خالقه جل وعلا؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأن حلف المخلوق بغير خالقه قد يجره إلى أمر جد خطير، فقد يخرجه من الملة –عياذا بالله-؛ لأن الحلف بغير الله ذريعة من أقوى الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر؛ إذ إن الحالف قد يتدرج في تعظيم المحلوف به، حتى يصل به إلى درجة المساواة مع الخالق جل وعلا، ولا يختلف اثنان أنّ هذا شرك أكبر.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص٥٩٠.
[ ١ / ٢٠٤ ]