امتدح الله من عباده من يجمع في عبادته له سبحانه بين الخوف والرجاء، بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١.
وقد جمع الله ﷾ بين هاتين العبادتين معلمًا بذلك عباده، كي لا يكون المؤمن من القانطين فيما لو اكتفى بالخوف، وترك الرجاء، وكي لا يكون من الآمنيين من مكر الله فيما لو اكتفى بالرجاء وترك الخوف من الله.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢، فقال: "بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب، فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضرّ. فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، وقوله جل وعلا:
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية [٧٥] ٢ سورة الرعد الآية [٦] ٣ سورة الأنعام الآية [١٤٧] ٤ سورة الأنعام الآية
[ ١ / ١٧٤ ]
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ ١، وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات" ٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "فاعلم أنهما متلازمان؛ فمن كان يرجو ما عند الله من الخير، فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس"٤.
وفي الأشرطة أوضح -﵀- موقف الإنسان من الخوف والرجاء حال حياته وعند مماته، فسمعته -﵀- يقول: "وقد أمرنا الله أن نكون في دعائه خائفين من عذابه وعقابه ونكاله، وطامعين في فضله ورحمته ورأفته وجوده وما عنده من الخير؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: جلب النفع، ودفع الضر. وإذا كان من يعبد الله، أو يدعو الله يستشعر الخوف من الله، والطمع في ثوابه وما عنده من الخير كان الخوف والطمع جناحين يطير بهما إلى الاستقامة وينبغي للمسلم إذا دعا الله أو عبد الله أن يكون جامعًا بين الخوف من الله، والطمع فيما عند الله جلّ وعلا، فلا يترك الرجاء لئلا يكون من القانطين ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥، ولا يترك الخوف فيأمن مكر الله؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فيكون خائفًا من الله، طامعا راجيًا من فضل الله. والعلماء يقولون: ينبغي للإنسان وهو في أيام صحته أن يغلب الخوف دائمًا على الرجاء، وأن يكون خوفه أغلب من رجائه، فإذا حضره الموت غلب الرجاء في ذلك ليطغى على الخوف فلا ينبغي للمؤمن أن يموت إلا وهو
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآيتان [٤٩-٥٠] . ٢ سورة غافر، الآية [٣] . ٣ أضواء البيان ٣/٧٩-٨٠. ٤ أضواء البيان ٤/٢٠٠. ٥ سورة يوسف، الآية [٨٧] .
[ ١ / ١٧٥ ]
يحسن الظن بالله جل وعلا؛ بأن ربه رؤوف رحيم، كما جاء بذلك الحديث١ عن النبي ﷺ "٢.
وما ذكره الشيخ الأمين -﵀- عن الخوف والرجاء، وحال العبد بينهما أوضحه شارح الطحاوية -﵀- بقوله: "فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا. وكلّ واحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى، فإنك إذا خفته هربت إليه؛ فالخائف هارب من ربه إلى ربه" ٣.
ثم بين شارح الطحاوية أيضًا موقف العبد من الخوف والرجاء في حياته فقال: "قيل: إنّ العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، بخلاف زمن الصحة، فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه" ٤.
أنواع الخوف:
وفي الأشرطة يوضح الشيخ الأمين -﵀- الخوف المذموم، والفرق بينه وبين الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان؛ فيقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ﴾ ٥: "في هذه الآية الكريمة، وأمثالها في القرآن الكريم سؤال معروف، وهو أن يقال: لا يوجد أحد إلا وهو يخشى من غير الله، ويخاف من غير الله؛ لأنّ كل المخاوف والمحاذير جُبلت طبائع البشر على الخوف والخشية منها، والذي لم يخف شيئًا من
_________________
(١) ١ يقصد قول الرسول ﷺ:"لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله ﷿". (رواه مسلم في صحيحه ٤/٢٢٠٦) . ٢ الشريط الأول من سورة التوبة، الوجه الثاني. ٣ شرح الطحاوية ص٣٧١-٣٧٢. ٤ المصدر نفسه ص٣٧٢. وانظر: مدارج السالكين ٢/٥١. ٥ سورة التوبة، الآية [١٨] .
[ ١ / ١٧٦ ]
المخاوف والمحاذير هذا أمر صعب. والعلماء يجيبون عن هذا جوابين: بعضهم يقول: الخشية التي هي شرك بالله والتي يحذر الله منها خشية الأصنام والخوف من المعبودات من دون الله. وهذا النوع دلت عليه آيات كثيرة؛ لأن عبدة الأصنام يخوّفون من يسبّ الأصنام بأنّ الأصنام ستفعل له وتفعل؛ كما قالوا لنبي الله هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من دونه مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية١. وكذلك لما خوفوا منها نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقالوا له: ستفعل بك أصنامنا وتفعل، قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وخوف بها نبي الله صلوات الله وسلامه عليه؛ كما نص الله عليه في سورة الزمر في قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣، ثم ردّ عليهم، قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٤، وفي قراءة أخرى: ﴿كافي عباده﴾، وهذا كثير في القرآن، وهذه الخشية التي خاف صاحبها من عاقبة الأصنام كفر بالله وشرك به. وقال بعض العلماء: هي الخشية الدنيوية من الناس إذا كانت تحمل الإنسان على أن يعصي الله؛ كالذي يخشى من الكفار، ويجبن عن الجهاد في سبيل الله، كما تقدم في قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. أما مايعرض للإنسان من الخوف من الأشياء والمحاذير بجبلته، فهذا أمر لا مخالفة فيه؛ لأنّ الله لا
_________________
(١) ١ سورة هود، الآيتان [٥٤-٥٥] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٨١] . ٣ سورة الزمر، الآية [٣٦] . ٤ سورة الزمر، الآية [٣٦] . ٥ سورة التوبة، الآية [١٣] .
[ ١ / ١٧٧ ]
يكلف نفسًا إلا وسعها كما هو معلوم" ١.
وكلام الشيخ الأمين -﵀- عن الخوف وأقسامه يؤيده كلام الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢ ﵏ أجمعين حين قسم الخوف، فذكر أنّ القسم الأول: خوف السرّ؛ وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما شاء من مرض أو فقر أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشئيته، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم. الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ٣، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وإنما يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله. الرابع: وهو الخوف الطبيعي؛ كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، ونحو ذلك فهذا لايذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٤ إلخ٥.
وهكذا فالشيخ الأمين -﵀- يفرق بين الخوف المذموم المفضي إلى الشرك، والموقع في معصية الله، وبين الخوف الطبيعي الذي جُبل عليه الناس؛ فهذا لا مؤاخذة فيه لأنه خارج عن طاقة الإنسان وإرادته.
_________________
(١) ١ سمعته بصوت الشيخ -﵀-، في الشريط الثاني من تفسير سورة التوبة: الوجه الأول. ٢ تقدمت ترجمته. ٣ سورة إبراهيم، الآية [١٤] . ٤ سورة القصص، الآية [٢١] . ٥ تيسير العزيز الحميد ص٤٨٤-٤٨٦ –باختصار وتصرف-. وانظر: الجامع لآحكام القرآن للقرطبي ٨/٥٨.
[ ١ / ١٧٨ ]