أوضح الشيخ الأمين -﵀- ما يتعلق بحياة نبينا ﷺ، مبينًا أنه وسائر الأنبياء أحياء عند ربهم حياة برزخية هي أكمل وأعلى من حياة الشهداء الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١، وقال نبيه ﷺ مخبرًا أنه يموت كما يموت البشر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢.
فحياته ﷺ في قبره حياة أكمل من حياة الشهداء، لكنها ليست كحياته على وجه الأرض، فهي حياة برزخية لا تزيل عنه اسم الموت، وهي غير معلومة لنا.
قال الشيخ الأمين -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية٣: "هذه الآية تدل بظاهرها علىأن الشهداء أحياء غيرأموات، وقد قال في آية أخرى لمن هو أفضل من كل الشهداء؛ ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤. والجواب عن هذا: أن الشهداء يموتون الموتة الدنيوية، فتورث أموالهم، وتنكح نساؤهم بإجماع المسلمين. وهذه الموتة هي التي أخبر الله نبيه أنه يموتها، ﷺ. وقد ثبت في الصحيح عن صاحبه الصديق _
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٦٩] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [٣٤] . ٣ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٤ سورة الزمر، الآية [٣٠] .
[ ٢ / ٤٢٣ ]
﵁ - أنه قال، لما توفي ﷺ: "بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها. وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات"١، واستدل على ذلك بالقرآن، ورجع إليه جميع أصحاب النبي ﷺ. وأما الحياة التي أثبتها الله للشهداء في القرآن، وحياته ﷺ التي ثبتت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه٢؛ فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا؛ أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣، وقد فسرها النبي ﷺ بأنهم تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهم يتنعمون بذلك٤وأما ما ثبت عنه ﷺ من أنه لا يسلم عليه أحد إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، وأن الله وَكَّلَ ملائكة يبلغون سلام أمته٥؛ فإن تلك الحياة أيضًا لايعقل حقيقتها أهل الدنيا؛ لأنها ثابتة له ﷺ، مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء، فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم الله حقيقتها ولا يعلمها الخلق، كما قال في جنس ذلك: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٦"٧.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري ٤/١٩٤. ٢ انظر سنن أبي داود ٢/٥٣٤. وقال النووي (في رياض الصالحين ص٥٣٠-٥٣١): "بإسناد صحيح"، وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (١/٢٩١): "وإسناده حسن". ٣ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٤ انظر صحيح مسلم ٣/١٥٠٣. ٥ أخرجه الدارمي في سننه ٢/٤٠٩. وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (١/٢٩١): "وإسناده صحيح. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي". ٦ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٧ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٩-٣٠.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ثم فند بالأدلة والبراهين القوية ما قد يتوهم من أن حياته ﷺ في قبره كحياته في الدنيا، فقال -﵀-: "ولو كانت كالحياة التي يعرفها أهل الدنيا لما قال الصديق ﵁: إنه ﷺ مات، ولما جاز دفنه ولانصب خليفة غيره، ولا قتل عثمان، ولا اختلف أصحابه، ولاجرى على عائشة ما جرى، وليسألوه عن الأحكام التي اختلفوا فيها بعده؛ كالعول، وميراث الجد والإخوة، ونحو ذلك. وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾، وصرح القرآن بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله: ﴿ولكن لا تشعرون﴾، وكان النبي ﷺ أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده، وأصحابه الذين دفنوه ﷺ لا تشعر حواسهم بتلك الحياة: عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضًا، ومما يقرب هذا للذهن حياة النائم؛ فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات، مع أنه يدرك الرؤيا ويعقل المعاني. والله أعلم"١.
ثم استشهد -﵀- بكلام ابن القيم، فقال: "قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب الروح، ما نصه: ومعلوم بالضرورة أن جسده ﷺ في الأرض طري مطرى، وقد سأله الصحابة: "كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ " فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء "٢. ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب. وقد صح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر، وقال: " هكذا نبعث "٣، هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى
_________________
(١) ١ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٣٠-٣١. ٢ أخرجه ابن ماجه ١/٣٤٥. وأبو داود ١/٦٣٥، وليس فيه: (أن تأكل) . وقال النووي في (رياض الصالحين ص٥٣٠): بإسناد صحيح. ٣ أخرجه الإمام أحمد بعدة اسانيد (في فضائل الصحابة ١/١٠٥، ١٦٤، ٢٠٢، ٣٩٥) بلفظ: دخل النبي ﷺ المسجد، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وقال: "هكذا نبعث". ومدار الأسانيد على سعيد بن مسلمة الأموي، وهو ضعيف. (انظر تهذيب التهذيب ٤/٨٣-٨٤) .
[ ٢ / ٤٢٥ ]
عليين مع أرواح الأنبياء. وقد صح عنه أنه رأى موسى يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء السادسة أو السابعة١؛ فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره، ويرد سلام من يسلم عليه، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين؛ فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان"٢.
ثم عقب -﵀- بقوله: "وهو يدل على أن الحياة المذكورة غير معلومة الحقيقة لأهل الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣. والعلم عند الله"٤.
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم ١/١٥٠، ٤/١٨٤٥. ٢ الروح ص٦٤. ٣ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٤ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٣١.
[ ٢ / ٤٢٦ ]