فيما يلي أورد كلام الشيخ الأمين –﵀- مفصلا عن بعض الصفات التي كثر الكلام حولها بين السلف ومخالفيهم، وذلك كي أبيّن مدى التطابق بين ما سبق أن نقلته عنه منهج وقواعد قعدها، واستند إليها في الإثبات والردّ على الخصوم، وبين ما سأورده من كلامه التفصيلي حول بعض الصفات.
وسنلاحظ عند الكلام عن الصفات تفصيلًا أنّ الشيخ الأمين –﵀- قد اهتمّ بذكر رأيه في الصفات في ضوء الدليل، ووفق المنهج المرسوم. وسنلاحظ أيضًا أنه لا يطيل في الحديث عنها؛ لأنه اكتفى ببيان المنهج، ووضع القواعد العامة التي تشترك فيها سائر الصفات.
ومن الصفات التي فصّل الشيخ الأمين –﵀- فيها الكلام: صفة الاستواء، وصفة الكلام، وصفة اليدين، وصفة المعية، وصفة العلم، وصفة العلو، وصفة العظمة، وصفة الكبرياء، وصفة القدرة، وصفة السمع، وصفة البصر، وصفة الحياة، وصفة القيومية، وصفة الوجه، وصفة العين، وصفة القدم، وصفة الغضب، وصفة الرحمة، وصفة المجيء.
[١] صفة الاستواء:
الاستواء على العرش١ من صفات الله الفعلية الثابتة على ما يليق
_________________
(١) ١ قال الشيخ الأمين -﵀- في العرش: (والعرش سرير الملك، ويطلق على السقف، والمراد به هنا عرش الرحمن الذي ذكره الله ﷿ في سبعة مواضع من كتابه، واصفا نفسه باستوائه عليه جلّ وعلا) . (معارج الصعود ص٤٩) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
بجلاله وكماله، فلا يُتطرق إلى تشبيه معناها، بل تثبت من غير كيف، وفق منهج السلف الذين يثبتون الصفات من غير تكييف –كما مرّ آنفا-.
وهذه الصفة العظيمة أطال المتكلمون حولها النقاش، وحشدوا لردها كلّ ما استطاعوا من جدل وسفسطه، وكلها تضمحلّ أمام سبع آيات من القرآن الكريم أثنى الله بها على نفسه واصفا لها بالاستواء على العرش، وجعلها من صفات الكمال التي يمتدح بها جلّ وعلا.
وقد قرر الشيخ الأمين –﵀- هذه الصفة بأسلوب سهل، وبدون تعقيد مستشهدًا على ذلك بالنقل من آيات القرآن الكريم مؤكدًا أنّ هذه الصفة من صفات الجلال والكمال، وهي ثابتة لله على ما يليق بجلاله، فقال -﵀-: "اعلموا أنّ هذه الصفة التي هي صفة الاستواء صفة كمال وجلال، تمدح بها ربّ السموات والأرض. والقرينة على أنها صفة كمال وجلال أنّ الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله" ١.
ثمّ استدلّ -﵀- على هذه الصفة العظيمة بكلام الله ﷾، الذي امتدح نفسه بها في سبعة مواضع من القرآن الكريم.
والشيخ -﵀- حين يورد هذه الآيات الكريمات يؤكد أنه لا مجال معها لتأويل متأول، أو تحريف محرف، وأنّ الحقّ مع من أثبتها لله كما يليق بجلاله؛ وهم أهل السنة والجماعة.
وقد أورد -﵀- هذه الآيات السبع التي ذكر الله فيها
استواءه على عرشه حسب ترتيبها في القرآن الكريم، مبتدأ بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٨. وانظر: رحلة الحج ص٨١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ثمّ عقب -﵀- على إيراده الآية بقوله: (فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال) ٢.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الثاني الذي ذكر فيه الاستواء؛ وهو قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٣، وعقّب على هذه الآيات الكريمات بقوله: (فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال) ٤.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الثالث من سورة الرعد، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الأياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٥. ثمّ قال -﵀- بعد ذكر هذه الآيات الكريمات "فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [٥٤] . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٨. ٣ سورة الأعراف، الآيتان [٣-٤] . ٤ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٩. ٥ سورة الرعد، الآيتان [٢-٤] .
[ ١ / ٢٧٠ ]
على الجلال والكمال" ١.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الرابع من سورة طه، من قوله تعالى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىاللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢، ثمّ قال -﵀-: "فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال" ٣.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الخامس؛ من سورة الفرقان، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٤. وقال بعد ذلك: "فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال" ٥.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع السادس، وهو من سورة السجدة، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ﴾ ٦، ثمّ قال بعد أن أورده: "فهل لأحد أن ينفي شيئًا
من هذه الصفات الدالة على الغاية من الجلال والكمال"٧.
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٠. ٢ سورة طه، الآيات [١-٨] . ٣ منهج ودراسات ص٣١. ٤ سورة الفرقان، الآيتان [٥٨-٥٩] . ٥ منهج ودراسات ص٣١. ٦ سورة السجدة، الآيتان [٤-٥] . ٧ منهج ودراسات ص٣١.
[ ١ / ٢٧١ ]
ثمّ ذكر -﵀- الموضع السابع من المواضع التي ذكرت فيها هذه الصفة العظيمة؛ وهو قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالأخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ "١ ٢.
وبعد أن أورد الشيخ -﵀- هذه الآيات الكريمات الدالة على ثبوت اتصاف الله ﷾ بهذه الصفة العظيمة، نوه بأنّ بعض المتكلمين تجرأ على هذه الصفة الكريمة التي وصف الله تعالى بها نفسه فحرفها عن موضعها، وانتحل لها من تلقاء نفسه معاني عطلتها عن معناها الحقيقي المتضمن للكمال المطلق، زاعمًا أنّ إثباتها على ظاهرها يجعلها صفة نقص لا يجوز اتصاف الربّ بها، لذلك تؤول بمعنى آخر غير المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن.
يقول الشيخ الأمين –﵀- مبيّنا حال هؤلاء القوم: "فالشاهد أنّ هذه الصفات التي يظنّ الجاهلون أنها صفة نقص، ويتهجمون على ربّ السموات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص، ثمّ يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها، مع أنّ الله جلّ وعلا تمدح بها، وجعلها من صفات الجلال والكمال، مقرونة بما يبهر من صفات الجلال والكمال. وهذا يدلّ على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جلّ وعلا بالتأويل" ٣.
ولإبعاد الشبهة التي استقرت في عقول المؤولة؛ وهي أنّ صفة الاستواء تشابه صفة المخلوق، لذلك تحرف إلى استولى، أو غيرها أكد -﵀- أنّ
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآيتان [٣-٤] . ٢ منهج ودراسات ص٣٢. وانظر: أضواء البيان ٢/١٦-١٨. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٢. ٣ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٢.
[ ١ / ٢٧٢ ]
السلف لا يقصدون بإثباتهم صفة الاستواء لله أنها تشابه صفة استواء المخلوق، فكما أنّ لله الخالق ذاتًا لا تشابه الذوات، كذلك له صفات لا تشبه الصفات.
ولذلك ذكر -﵀- أنّ اتصاف المخلوق بالاستواء هو على ما يليق به، كما أنّ استواء الخالق جلّ وعلا على ما يليق به. وأنّ الصفة وإن اشتركت في المعنى، إلا أنّ كل صفة تتبع موصوفها. فالله تعالى يقول عن استواء الإنسان: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ الآية٢، ويقول عن استواء السفينة: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الآية٣.
ثم قال -﵀- بعد ما ذكر هذه الآيات الكريمات: "وإنّ للخالق جلّ وعلا استواء لائقا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضًا استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤"٥.
وبذلك يقطع الشيخ -﵀- الطريق على الجاهلين الذين شبهوا الله بخلقه، ثمّ عطلوه عن صفة الكمال التي أثبتها لنفسه فهو -﵀- يؤكد أنّ صفة الاستواء التي اتصف بها الله ﷾ ليست كما تصور لكم عقولكم، بل هو استواء لا نعلم كيفيته، كما أننا لا نعرف كيفية الذات، فلله سبحانه من هذه الصفة ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه أو
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية [١٣] . ٢ سورة المؤمنون، الآية [٢٨] . ٣ سورة هود، الآية [٤٤] . ٤ سورة الشورى، الآية [١١] . ٥ أضواء البيان ٢/٣١٨.
[ ١ / ٢٧٣ ]
تكييف. وهذا هو المذهب الحقّ الذي تدلّ عليه نصوص الوحي المثبتة للصفات؛ لأنّ المنهج والطريقة في ذلك واضحة لم يدعنا الله تعالى فيها لعقولنا حين قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فالصفات ثابتة، وأما الكيفية فمنفية؛ إذ كيف نعرف كيفية صفته سبحانه، ونحن لم نعلم كيفية ذاته تعالى الله عما قاله المبطلون علوًا كبيرًا.
فالشيخ -﵀- ينطلق في كلامه من الكتاب والسنة، ومن مفهوم السلف الصالح؛ الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
سئل الإمام مالك -﵀- عن الاستواء، فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) ٢.
وقال الأوزاعي -﵀-: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جلّ وعلا) ٣.
وقال الشيخ أبو نصر السجزي٤: (وأئمتنا؛ كسفيان الثوري٥، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة٦، وحماد بن سلمة٧، وحماد بن
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ تقدم تخريجه. ٣ الأسماء والصفات للبيهقي ص٥١٥. ٤هو الإمام الحافظ شيخ السنة أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني. توفي سنة (٤٤٤؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء١٧/٦٥٤.وشذرات الذهب ٣/٢٧١. ٥ تقدمت ترجمته. ٦ هو الإمام سفيان بن عيينة بن ميمون، مولى محمد بن مزاحم الهلالي الكوفي، ثم المكي. حافظ العصر، وأحد أئمة الحديث. ولد سنة (١٠٧)، وتوفي سنة (١٩٨؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٨/٤٥٤. وشذرات الذهب ١/٣٥٤) . ٧ هو الإمام حماد بن سلمة بن دينار البصري، من كبار المحدثين، توفي سنة (١٦٧؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٤٤٤. وشذرات الذهب ١/٢٦٢) .
[ ١ / ٢٧٤ ]
زيد١، وعبد الله بن المبارك٢، والفضيل بن عياض٣، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه٤؛ متفقون على أنّ الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكلّ مكان، وأنه ينزل من السماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء" ٥.
فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في استواء الله ﷾ على عرشه؛ فهم يؤمنون بها على مراد الله من غير تكييف لمعناها، ولا مشابهة لها بصفة المخلوقين.
والشيخ -﵀- متبع لطريقة السلف المستندة إلى نصوص الوحي، فهو من دعاة الاتباع، ومن أشدّ أعداء الابتداع.
موقف المتكلمين من صفة الاستواء، وردّ الشيخ الأمين رحمة الله عليهم:
وفي معرض إيضاح الشيخ الأمين -﵀- لهذه الصفة بيّن رأي المتكلمين فيها، وذكر أنهم أكثروا من الخوض فيها حتى نفوها بأدلة جدلية كلامية عقيمة استدلوا بها لإبطال الحقّ وإحقاق الباطل حتى تجرأ كثير من الناس ممن يدعي الإسلام على تعطيل هذه الصفة عن ربّ السموات والأرض بهذه الأدلة الواهية التي يعارضون بها كلام الله سبحانه
_________________
(١) ١ هو الإمام حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري. أحد أئمة الحديث. ولد سنة (٩٨)، وكان ضريرًا. وتوفي سنة (١٧٩هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦، ٤٦٦. والبداية والنهاية ١٠/١٨٠) . ٢ هو الإمام عبد الله بن المبارك بن واضح، أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي. أحد أئمة الحديث. قال عنه ابن معين: ذاك أمير المؤمنين في الحديث. ولد سنة (١١٨هـ) . وتوفي سنة (١٨١هـ) . (انظر سير أعلام النبلاء ٨/٣٧٨. والبداية والنهاية ١٠/١٨٣) . ٣ هو الإمام الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الخراساني. أحد أئمة العباد والزهاد. توفي سنة (١٨٧هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٨/٤٢١. والبداية والنهاية ١٠/٢٠٦. وشذرات الذهب ١/٣١٦) . ٤ تقدمت ترجمته. ٥ سير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٦.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وتعالى١، ولهم تأويلات مختلفة في نفي تلك الصفة عن الله، ولكنّ مؤدى الكل واحد من حيث تعطيل الله جلّ وعلا عن الاتصاف بهذه الصفة العظيمة، وتحريفها عن الاستواء إلى الاستيلاء٢.
وقد ناقشهم الشيخ الأمين -﵀- مناقشة علمية رصينة أظهر من خلالها كثيرًا من التحريفات التي وقعوا فيها، واستوعب مزاعمهم وأدلتهم التي جمعوها، وبيّن أنهم بهذه المزاعم يريدون التوصل إلى نفي الاستواء عن الله ﷾.
ومن هذه المزاعم التي ذكروها: قالوا: إنّ قوله: على العرش استوى مجاز؛ فنفوا الاستواء؛ لأنه مجاز، وقالوا: معنى استوى: استولى. وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق. وقالوا أيضًا: إنّ الاستواء يوهم غير اللائق بالله لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، فجاؤوا بالاستيلاء لأنه هو اللائق به بزعمهم٣.
ونبّه -﵀- إلى مشابهة المؤولة لليهود الذين بدلوا كلام الله وحرفوه، فغضب الله عليهم ولعنهم، وذكر أنّ المؤولة سلكوا الطريق نفسه الذي سلكه اليهود؛ فقال -﵀- مبينا هذا المعنى: (ولو تدبروا كتاب الله لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة، أو النعمة؛ لأنّ الله جلّ وعلا يقول في محكم كتابه في سورة القرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾ ٤، ويقول في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
_________________
(١) ١ انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٧، ٢٨. ٢ انظر: الإرشاد ص٤٠، ٤١. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص٢٢٦، ٢٢٧. وانظر أيضًا: مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٧٩، ٣٨٠. ٣ انظر: أضواء البيان ٧/٤٥٢. وانظر أيضًا: المصدر نفسه ٧/٤٥٤. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٥. ورحلة الحج ص٨٤. ٤ سورة البقرة الآية
[ ١ / ٢٧٦ ]
مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ١ فالقول الذي قاله الله لهم، هو قوله: "حطة"؛ وهي فعلة من الحطّ بمعنى الوضع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا؛ أي حطّ وضعها عنا، فهي بمعنى طلب المغفرة. وفي بعض روايات الحديث٢ في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونًا فقط، فقالوا: حنطة؛ وهي القمح. وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى، فزادوا لاما فقالوا استولى. وهذه "اللام" التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٣، وبقول الله جلّ وعلا في منع تبديل القرآن بغيره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤. ولا شك أنّ من بدل استوى باستولى مثلا لم يتبع ما أوحي إلى النبي ﷺ، فعليه أن يجتنب التبديل، ويخاف العذاب العظيم الذي خافه رسول الله ﷺ لو عصى الله فبدل قرآنا بغيره، المذكور في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . واليهود لم ينكروا أنّ اللفظ الذي قاله الله لهم هو لفظ حطة، ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة، وأهل هذه المقالة لم ينكروا أنّ كلمة القرآن هي استوى، ولكن حرفوها وقالوا في معناها: استولى. وإنما أبدلوها بها لأنها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن التي توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر على
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٦٢] . ٢ انظر: مسلم ٤/٢٣١٢ وفيه: أنهم قالوا: حبة في شَعَرَة بدل حطة. وفي مسند الإمام أحمد (وقولوا حطة. قال بدَلوا فقالوا: «حنطة في شعرة» بدل حطة انظر الفتح الرباني ١٨/٧٣. ٣ سورة البقرة، الآية [٥٨] . ٤ سورة يونس، الآية [١٥] .
[ ١ / ٢٧٧ ]
العراق) ١.
وبهذه الإلزامات التي ساقها الشيخ الأمين -﵀- برهن على صحة حكمه في المؤولة بأنهم سلكوا مسلك اليهود في تحريف كلام الله تعالى، ومعارضته. فليس كلامه -﵀- مجرد دعوى يلقيها على عواهنها، بل ضمّن ذلك أمثلة من القرآن الكريم ليتضح وجه الشبه بين اليهود والمؤولة.
ثمّ يناقش الشيخ -﵀- هؤلاء المؤولة في صميم تأويلهم، فيطرح عليهم عدة أسئلة ينسف من خلالها تأويلهم الباطل؛ إذ هذه الأسئلة لا تحتمل إلا إجابة واحدة لا يستطيع المؤولة أن يقولوا بها. وهذه الأسئلة التي يطرحها الشيخ -﵀- هي من لوازم قولهم الشنيع في تأويل صفة استواء الربّ ﷾؛ فيقول -﵀-: (هل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش واستولى عليه وهل يوجد شيء إلا والله مستولٍ عليه؟ فالله مستولٍ على كل شيء وهل يجوز أن يقال إنه تعالى استولى على كلّ شيء غير العرش؟ فافهم) ٢.
وهكذا يُظهر الشيخ -﵀- شناعة هذا القول، وما يلزم عليه من لوازم كفرية إن اعتقدها المؤول، كلّ ذلك بأسلوب مقنع يُظهر فظاعة قول المؤولة الذين قالوا على الله بغير علم.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٢- ٤٥٤. ولله درّ العلامة ابن القيم -﵀- حيث يقول: أمر اليهود بأن يقولوا حطة فأبوا، وقالوا حنطة لهوان وكذلك الجهمي قيل له استوى فأبى وزاد الحرف للنقصان قال استوى استولى وذا من جهله لغة وعقلا ماهما سيان نون اليهود ولام جهميّ هما في وحي ربّ العرش زائدتان (انظر: المقاصد وتصحيح القواعد لأحمد بن عيسى ص٢٦) . ٢ أضواء البيان ٧/٤٥٤.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وأخيرًا يجهز الشيخ الأمين -﵀- على تأويلهم ناسفًا له من أساسه، فبين لهم أنّ المحذور الذي فروا منه؛ وهو خوفهم من تشبيه استواء الخالق بالمخلوق، قد وقعوا فيه حين أولوا استوى باستولى. فيسألهم مستفسرًا منهم هل تقصدون باستيلاء الله على عرشه استيلاء مشابهًا لاستيلاء بشر بن مروان على العراق، أم تريدون استيلاء خاصًا كما يليق بجلال الله وعظمته. وبلا شك فهم سيجيبون بالجواب الأخير؛ إذ هم قد أولوا الاستواء بالاستيلاء فرارًا من التشبيه. وبهذه الطريقة ليس أمامهم من منفذ يخرجون منه إلا أن يذعنوا للحقّ، ويقولوا بقول أهل السنة والجماعة دون تلاعب بالألفاظ: إنّ الله مستو على العرش استواء يليق بجلاله سبحانه؛ إذ لفظ "استوى" هو اللفظ الذي أثنى الله به على نفسه، وتعبدنا بتلاوته، فهو أحق بأن يوصف الله تعالى به.
وفي ذلك يقول -﵀-: (تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق هو أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعا. إلا أنه يقول: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، ونحن نقول: أيها المؤول هذا التأويل: نحن نسألك إذا علمت أنه لا بدّ من تنزيه أحد اللفظين؛ أعني لفظ "استوى" الذي أنزل الله به الملك على النبي ﷺ قرآنا يتلى، كلّ حرف منه عشر حسنات، ومن أنكر أنه من كتاب الله كفر. ولفظة "استولى" التي جاء بها قوم من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى نص من كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من السلف. فأيّ الكلمتين أحقّ بالتنزيه في رأيك؟ آلأحق بالتنزيه كلمة القرآن المنزلة من الله على رسوله، أم كلمتكم التي جئتم بها من تلقاء أنفسكم من غير مستند
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٧٤] .
[ ١ / ٢٧٩ ]
أصلًا؟ ونحن لا يخفي علينا الجواب الصحيح عن هذا السؤال إن كنت لا تعرفه) ١.
وهذه الطريقة المقنعة التي سلكها الشيخ -﵀- تستعمل في كلّ تأويل فروا إليه خشية المشابهة؛ فإذا لم يقولوا فيه كما يليق بجلاله لزمتهم مشابهة الخالق بالمخلوق، ووقعوا فيما فروا منه. وحينئذ نقول لهم: نحن نثبت الصفات لله، ونقول: كما يليق بجلاله، وهذه صفات أثنى الله بها على نفسه، وتعبدنا بتلاوتها كما أوضح ذلك كله الشيخ الأمين رحمه الله تعالى.
وقد سبق الشيخ الأمينَ إلى سلوك هذه الطريقة شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في رده على المؤولة٢. وهذا من الأدلة الجلية على اقتداء الشيخ الأمين -﵀- بسلفه الصالح من العلماء الأجلاء الذين ردوا على من انحرف عن الطريق المستقيم، وجادلوا من عاند منهم، وقارعوا حججهم الواهية الباطلة بحجج في غاية القوة والوضوح والإقناع.
ولم يكتف الشيخ الأمين -﵀- بإيراد تلك الحجة الظاهرة الساطعة البيان رادا بها هذا التأويل، بل نجده -﵀- يفرد مبحثا مستقلا لمناقشة المتكلمين في ردهم صفة الاستواء، يقيم فيه عليهم الحجة بمقتضى قواعدهم التي قعدوها لنفي معاني الصفات التي لا توافق أهواءهم؛ فهم يقولون: لو كان الله مستويا على العرش لكان مشابها للخلق، لكنه غير مشابه للخلق، فهو غير مستوٍ على العرش. وبهذه الطريقة القياسية نفوا صفة الاستواء الثابتة في سبعة مواضع من كتاب الله تعالى.
يقول -﵀- موضحًا ذلك: (نحبّ أن نذكر كلمة قصيرة لجماعة قرؤوا في المنطق والكلام، وظنوا نفي بعض الصفات من أدلة كلامية؛ كالذي
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٤- ٤٥٥. وانظر: منهج ودراسات ص٥٠. ٢ راجع العقيدة التدمرية ص٤٥- ٤٦.
[ ١ / ٢٨٠ ]
يقول مثلًا: لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للحوادث، لكنه غير مشابه للحوادث، ينتج: فهو غير مستو على العرش. هذه النتيجة الباطلة تضادّ سبع آيات من المحكم المنزل، ولكننا الآن نقول في مثل هذا١ على طريق المناظرة والجدل المعروف عند المتكلمين؛ نقول: هذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية، استثنائية؛ استثنى فيه نقيض التالي، فأنتج نقيض المقدم، حسب ما يراه مقيم هذا الدليل. ونحن نقول: إنه تقرر عند عامة النظار أنّ القياس الاستثنائي المركب من شرطيه متصلة لزومية يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:
١- يتوجه عليه القدح من جهة استثنائية.
٢- ويتوجه عليه من جهة شرطية إذا كان الربط بين المقدم.
٣- ويتوجه عليه من جملة شرطية إذا كان الربط بين المقدم وهذه القضية كاذبة الشرطية. فالربط بين مقدمها وتاليها كاذب كذبًا بحتًا، ولذا جاءت نتيجتها مخالفة لسبع آيات.
إيضاحه: أن نقول: قولكم لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للحوادث. هذا الربط بين لو واللام كاذب كاذب كاذب، بل هو مستو على عرشه كما قال من غير مشابهة للحوادث، كما أنّ سائر صفاته واقعة كما قال من غير مشابهة للخلق. ولا يلزم من استوائه على عرشه كما قال أن يشبه شيئًا من المخلوقين في صفاتهم البتة، بل استواؤه صفة من صفاته، وجميع صفاته منزهة عن مشابهة الخلق، كما أنّ ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق. ويطّرد في الكل) ٢.
_________________
(١) ١ يريد القدح في القياس الاستثنائي الذي أوردوه. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤١- ٤٢. وانظر: آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٢- ١٢٦. ومنع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز –الملحق بأضواء البيان ١٠/٥٧- ٦٢.
[ ١ / ٢٨١ ]
وهكذا يردّ عليهم الشيخ الأمين –﵀- بمنطقهم، مبيّنا أنّ هذه القاعدة الجدلية، والدليل الجدلي الذي اتخذوه ذريعة لنفي الاستواء: كاذب من أساسه، فلا شك أنّ النتيجة التي رتبوها على هذا الدليل الكاذب ستكون كاذبة أيضًا، وبذلك يتضح أنّ صفة الاستواء ثابتة لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته بأدلة النقل؛ من كتاب وسنة. ولا شك أن العقل السليم الذي لم تدخله الآراء الفاسدة والشبهات لا يعارض الدليل الصحيح، بل يسلم له؛ فالعقل السليم يوافق الدليل الصحيح.
بقي أن أنبه إلى أنّ الشيخ الأمين –﵀- رغم معرفته للجدل والمنطق، ومعرفته لقواعده وجزئياته –كما تبيّن لنا من هذا الردّ- إلا أنه لم يجعله أساسًا لإثبات الصفات، بل لم يستخدمه في مبحث التوحيد إلا للرد على من يعتقده ويأخذ به، وذلك لإقامة الحجة عليهم، وإبطال حججهم بمنطقهم الذي يفهمونه.
[ ١ / ٢٨٢ ]
(٢) صفة الكلام:
الكلام من صفات الله الثابتة على ما يليق بجلاله سبحانه. وهو صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وصفة فعل لتعلقه بمشيئة الله باعتبار أفراد الكلام١.
قال رسول الله ﷺ: " يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك ربنا وسعديك؟ فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" ٢.
فهو ﷾ لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء. وهو متكلم بصوت يسمع٣؛ يُسمعه من شاء من خلقه؛ سمعه موسى ﵇ من غير واسطة، وسمعه من أذن له من ملائكته ورسله. وهو ﷾ يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه.
هذا معتقد سلف الأمة في صفة كلام الله ﷾. وهو ما قرره الشيخ الأمين –﵀-، وبينه خير بيان؛ فقد قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤: "هذه الآية الكريمة من سورة براءة نص صريح في أنّ هذا الذي نقرؤه ونتلوه هو بعينه كلام الله؛ فالصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري؛ لأن الله صرح أنّ هذا المشرك المستجير يسمع كلام الله يتلوه عليه نبيّ الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ٦/٢١٩. وانظر أيضًا: الصفات الإلهية للدكتور محمد أمان ص٢٦٢. ٢ أخرجه البخاري في الصحيح ٥/٢٤١. ومسلم في الصحيح ١/٢٠١. ٣ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص١٨٠. ٤ سورة التوية، الآية [٦] .
[ ١ / ٢٨٣ ]
هذا المحفوظ في الصدور، المقروء بالأسنة، المكتوب بالمصاحف هو كلام الله جلّ وعلا بمعانيه وألفاظه. ولا شك أنّ أصل الكلام صفة لله جلّ وعلا ونحن لا نحب إكثار الخوض فيه ولكن نقول: إنّ الكلام صفة الله التي لم يزل متصفًا بها، ولم يتجرد يوما عن كونه متكلمًا، وهو في كلّ وقت يتكلم بما شاء كيف شاء على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ فكلامه صفة ليس بمخلوق"١.
وهذا النصّ من كلام الشيخ الأمين –﵀- واضح الدلالة على أنّ عقيدته في كلام الله هي عقيدة السلف؛ أنّ الله يتكلم حقيقة متى يشاء، وكيف يشاء، وأننا لا نعلم كيفية كلامه ﷾، والقرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وفي ذلك ردّ على الجهمية والمعتزلة، وهو ما سوف أوضحه فيما بعد إن شاء الله.
ومن الأدلة على أنّ عقيدة الشيخ الأمين –﵀- في صفة الكلام هي عقيدة السلف عينها، أنّ ما قاله أئمة السلف عن صفة الكلام مطابق تمام المطابقة لما ذكره الشيخ الأمين –﵀-:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "إنّ الله لم يزل متكلما إذا شاء، وأنه يتكلم بصوت كما جاءت به الآثار. والقرآن وغيره من الكتب الإلهية كلام الله تكلم به بمشيئته وقدرته، وليس ببائن عنه مخلوقًا، ولا يقولون إنه صار متكلمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، ولا أنّ كلام الله تعالى من
_________________
(١) ١ الشريط الأول من تفسير سورة التوبة، الوجه الأول، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ . وانظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الأمين ص ٥٤،١٨٩. وأضواء البيان ٢/٣٠٩. ومنهج ودراسات ص١٦. ورحلة الحج ص٧٦.
[ ١ / ٢٨٤ ]
حيث هو: هو حادث بل ما زال متكلمًا إذا شاء، وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته وقدرته، فكلامه لا ينفد"١.
وقال في موضع آخر مبينا القول الحق في القرآن "فالقرآن الذي نقرؤه هو كلام الله مبلغًا عنه لا مسموعًا منه، وإنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا، الكلام كلام الباري، والصوت صوت القري، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة مع العقل"٢.
وقال تقيّ الدين عبد المغني المقدسي٣: "مذهب أهل الحقّ أنّ الله ﷿ لم يزل متكلمًا بكلام مسموع مفهوم مكتوب"٤.
وقال ابن أبي العز الحنفي٥: "والحقّ أنّ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى؛ فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف" ٦.
وقال العلامة عبد الباقي المواهبي٧: "فلم يزل اللهمتكلما كيف يشاء، إذا شاء بلا كيف، يأمر بما شاء ويحكم"٨.
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٢/١٧٣. ٢ الفتاوى ١٢/٩٨. وانظر المصدر نفسه ١٢/٢٤٤. ٣ تقدمت ترجمته. ٤ انظر: عقيدة المقدسي ص٦١. ٥ تقدمت ترجمته. ٦ شرح العقيدة الطحاوية ص١٩٢. ٧ هو: عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي. ولد سنة (١٠٠٥؟) في بعلبك، وتوفي سنة (١٠٧١؟) في دمشق. (انظر: الأعلام ٣/٢٧٢) . ٨ العين والأثر ص٦٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]
فهذا هو مذهب السلف الحقّ في إثبات صفة الكلام لله ﷾. وهو ما سار عليه الشيخ الأمين –﵀- في إثبات هذه الصفة وإيضاحها، وتقرير المعتقد الصحيح فيها مستندًا إلى أدلة الوحي.
[ ١ / ٢٨٦ ]
صفة المتكلمين من صفة الكلام وردّ الشيخ الأمين -﵀- عليهم
أكثر المتكلمون من أشاعرة ومعتزلة وجهمية وغيرهم من الخوض في صفة الكلام، حتى قيل إنما سمي علم الكلام بهذا الاسم أخذًا من كثرة ما قيل فيها. ونظرًا لما عرف عن القوم من حبّ في الإطالة والسفسطة والأخذ بالجدل العقيم الذي لا يسعفه عقل ولا نقل من أجل تقرير الباطل؛ فقد تشعبت فيها الأقوال، حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنها سبعة أقوال، أو تزيد١، وذكر العلامة أبو العز الحنفي شارح الطحاوية تسعة أقوال في صفة الكلام٢.
ولكن سوف أقتصر على أشهر هذه الأقوال التي انتشرت وذاع صيتها، والتي ذكرها الشيخ الأمين -﵀-، وهما قول المعتزلة والجهمية، وقول الأشاعرة والكلابية٣؛ فقد ذكرهما -﵀- وكرّ عليهما بالتفنيد والإبطال بالحجج الدامغة من النقل والعقل.
فالقول الأول: قول المعتزلة والجهمية: القائلين أنّ كلام الله ﷿ مخلوق خلقه الله منفصلا عنه٤.
والقول الثاني: قول الكلابية والأشاعرة: القائلين أنّ الكلام معنى واحد قديم قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٢/١٦٣. ٢ شرح الطحاوية ص١٨٠. ٣ الكلابية: هم أتباع محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب الذي سلك الأشعري مسلكه في طوره الثاني. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (الكلابية والأشعرية خير من هؤلاء –يقصد النجارية والضرارية- في باب الأسماء والصفات فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر، وسائر الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة) . (الفتاوى ٣/١٠٣. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/٢٤٩، ٢٥١، ٢/٢٢٥، ٢٢٧) . ٤ شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨.
[ ١ / ٢٨٧ ]
بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة١.
وسيأتي مزيد إيضاح لكلامه عند الردّ عليهم.
الردّ على الجهمية والمعتزلة:
سبق أن ذكرت أنّ الجهمية والمعتزلة نفوا صفات الله ﷾، ومن الأولى أن ينفوا صفة الكلام عن الله، ولذلك قالوا عن كلام الله إنه مخلوق.
وهذا ماصرح به عبد الجبار المعتزلي٢ بقوله: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أنّ القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث" ٣.
وقد بيّن الشيخ الأمين -﵀- خطأ هذا القول وجهالة قائله، واستدل بالأدلة السمعية على بطلان هذا الرأي البعيد عن جادة الصواب والحقّ؛ فقال في تفسير النداء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الآية٤: "فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق. ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة؛ إذ لا يمكن أن يقول غير الله: ﴿إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾ ٥، ولا أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٦. ولو فرض أنّ الكلام
_________________
(١) ١ أصول الدين للبغدادي ص١٠٦. والإرشاد ص٩٩. والمواقف ص٢٩٣. وشرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص١٠١، ١٠٤. وانظر أيضًا: الفتاوى ١٢/١٦٥. والبرهان ص٣٧. ومختصر الصواعق ٢/٥١٣. ٢ عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الاسترابادي. من كبار أئمة المعتزلة. ولد سنة (٣٥٩هـ)، وتوفي سنة (٤١٥) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٢٤٤. ومعجم المؤلفين ٥/٧٨. والأعلام ٣/٢٧٣) . ٣ شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨. ٤ سورة مريم، الآية [٥٢] . ٥ سورة النمل، الآية [٩] . ٦ سورة طه، الآية [١٤] .
[ ١ / ٢٨٨ ]
المذكور قاله مخلوق افتراء على الله كقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ١. على سبيل فرض المحال، فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حقّ وصواب. فقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ صريح في أنّ الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك، كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام" ٤.
الردّ على الكلابية والأشعرية:
ذهب الكلابية والأشعرية إلى أنّ الله متكلم بكلام قائم بذاته أزلا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا.
ونفوا أن يكون الله متكلمًا بحرف وصوت؛ زاعمين أنّ كلامه سبحانه نفسيّ. أما القرآن الكريم: فقد صرحوا بأنه مخلوق محدث ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله٥.
وقد بيّن الشيخ الأمين -﵀- موقفهم من هذه الصفة بعبارة سهلة موجزة، فقال: "اعلم أنّ كثيرًا من المتكلمين يزعمون أنّ كلام الله معنى قائم بذاته، مجرد عن الألفاظ والحروف. والأمر عندهم هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس، المجرد عن الصيغة. ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسيّ ولفظيّ. فالأمر النفسي عندهم هو
_________________
(١) ١ سورة النازعات، الآية [٢٤] . ٢ سورة طه، الآية [١٤] . ٣ سورة النمل، الآية [٩] . ٤ أضواء البيان ٤/٢٩٣- ٢٩٤. ٥ أصول الدين للبغدادي ص١٠٦. والإرشاد ص٩٩. والمواقف ص٢٩٣. والبرهان ص٣٧. وانظر: الفتاوى ٢/١٦٥.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ماذكرنا، والأمر اللفظي هو اللفظ الدالّ عليه كصيغة "افعل""١.
ثمّ لما فصلّ -﵀- معتقدهم وموقفهم من كلام الله ﷾، ردّ -﵀- على معتقدهم الفاسد مبيّنا بطلانه بالأدلة القوية المقنعة، مبرزًا القول الحقّ في هذه المسألة؛ فقال -﵀-: "إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هذا المذهب باطل، وأنّ الحقّ أنّ كلام الله هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه؛ فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. وقد صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢، فصرح بأنّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى. وأقام الحجج على أنّ ما في النفس إن لم يتكلم به لا يسمى كلاما؛ كقوله في قصة زكريا: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاس﴾ ٣، مع أنه أشار إليهم كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ ٤، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبر عنه بالإشارة كلامًا. وكذلك قصة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية٥، مع قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ٦، وفي الحديث: " إنّ الله عفى لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل به" ٧. واتفق أهل اللسان على أنّ الكلام: اسم، وفعل، وحرف. وأجمع الفقهاء على أنّ من حلف لا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام" ٨.
_________________
(١) ١ مذكرة أصول الفقه للشيخ الأمين ص١٨٨-١٨٩. ٢ سورة التوبة، الآية [٦] . ٣ سورة مريم، الآية [١٠] . ٤ سورة مريم، الآية [١١] . ٥ سورة مريم، الآية [٢٦] . ٦ سورة مريم، الآية [٢٩] . ٧ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١١٦-١١٧، بلفظ مقارب لما ذكره الشيخ -﵀-، وفيه: (تجاوز) بدل (عفى)، مع تقديم وتأخير في بعض ألفاظه. ٨ مذكرة أصول الفقه ص١٨٨-١٨٩.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وهكذا يتبين بنا مدى فهم الشيخ الأمين -﵀- لعقيدة السلف، وتقريره لها؛ بإثبات الكلام لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته، والرد على الكلابية والأشعرية الذين قسموا الكلام إلى كلام نفسي وكلام لفظي، جاعلين كلام الرب جل وعلا من القسم الأول. ولا ريب أن هذا التقسيم لم يقل به أحد من العقلاء، وأن الزعم بأن كلام الله نفسي قول على الله بغير علم.
ولم يكتف الشيخ الأمين -﵀- بما ذكره آنفًا، بل استطرد في مواضع أخرى مبينًا أن الكلام في لغة العرب هو ما نطق به وتلفظ به، وسمع، لاما كان في النفس؛ إذ ماكان في النفس لا يسمى كلامًا، بل يقيد بما يدل عليه، فيقال: حديث النفس، أو قول النفس؛ يقول -﵀- موضحًا هذا الجانب: "وإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على مافي النفس، فلا بد أن يقيد بما يدل على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١. فلو لم يقيد بقوله ﴿نْفُسِهِمْ﴾ لانصرف إلى الكلام باللسان" ٢.
وبهذا يتضح لنا بطلان مذهب الأشاعرة والكلابية لتهافت محتوياته أمام الأدلة الدامغة من الكتاب والسنة، والتي يستند إليها الشيخ -﵀- فيما ذهب إليه من رد أو تقرير.
٣- صفة اليدين:
صفة اليدين صفة خبرية ذاتية حقيقية ثابتة لله ﷾ كما يليق
_________________
(١) ١ سورة المجادلة، الآية [٨] . ٢ مذكرة أصول الفقه ص١٨٩.
[ ١ / ٢٩١ ]
بجلال الله؛ قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٢. وقال رسول الله ﷺ: " إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" ٣.
وقد دلت الآيات والأحاديث النبوية الكثيرة على هذه الصفة العظيمة لربنا ﷾.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذه الصفة، وبين أنها صفة كمال لله ﷾ وصف بها نفسه، وهي لا تشابه صفات المخلوقين؛ فقال -﵀-: "فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم. هذا هو المتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤. والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٥ أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله. وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة؛ قال تعالى في تعظيم شأنها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦. وبين أنها
_________________
(١) ١ سورة ص، الآية [٧٥] . ٢ سورة المائدة، الآية [٦٤] . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٣٣. ٤ سورة المائدة، الآية [٣٨] . ٥ سورة ص، الآية [٧٥] . ٦ سورة الزمر، الآية [٦٧] .
[ ١ / ٢٩٢ ]
صفة تأثير كالقدرة في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١؛ فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى" ٢.
وهذا الكلام من الشيخ الأمين -﵀- هو معتقد السلف جميعًا في صفة اليدين لله ﷾ على الحقيقة كما يليق بجلاله، وأنها لا تشابه يدي المخلوق كما أن ذات الله ﷾ لا تشابه ذات المخلوق.
قال الإمام ابن خزيمة -﵀-: "نحن نقول: الله جل وعلا له يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ، ونقول: كلتا يدي ربنا ﷿ يمين" ٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وقد تواتر في السنة مجئ اليد في حديث النبي ﷺ، فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتان له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى، وأن يديه مبسوطتان. ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة الإعطاء"٤.
وهكذا نرى أن تناول الشيخ -﵀- لهذه الصفة ينطلق من اتباعه
_________________
(١) ١ سورة ص، الآية [٧٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٤٤٤- ٤٤٥. وانظر: رحلة الحج ص٧٩. ٣ التوحيد لابن خزيمة ١/١٩٣. ٤ الرسالة المدنية ص٤٥.
[ ١ / ٢٩٣ ]
لمنهج الوحي، وسلوكه مسلك السلف، ولذلك جاء تقريره للمذهب الحق المستند إلى الدليل في غاية القوة والبيان.
موقف الشيخ الأمين -﵀- ممن تأول هذه الصفة:
أوَّل المتكلمون هذه الصفة كدأبهم في تحريف الصفات التي لا تنطبق مع أقسيتهم وعقولهم، فعدوها من المتشابه؛ فأولتها المعتزلة بمعنى القوة أو النعمة١، وقال متأخرو الأشاعرة: هي بمعنى القدرة٢. أما متقدمو الأشاعرة فأثبتوها صفة لله تعالى على مايليق بجلاله كما هو معتقد السلف٣.
وقد رد الشيخ الأمين -﵀- على من تأول هذه الصفة
الكريمة، مظهرًا زيف دعواهم، ومبينًا أن إثبات هذه الصفة على ما يليق بالله لا يأباه إلا ذوو القلوب المريضة بالتشبيه؛ فقال: "ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة؛ لإجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة. ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق السموات والأرض" ٤.
ثم ذكر -﵀- شبههم التي يتعلقون بها، ورد عليها، وبين اللوازم التي تلزم هذا القول؛ فقال: "فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص٢٢٨. ٢ مشكل الحديث ص٢٤٣. وأصول الدين ص١١٠، والإرشاد ص١٤٦. والمواقف. ٣ أصول الدين ص١١١. ٤ أضواء البيان ٧/٤٤٥. وانظر: رحلة الحج ص٨٤.
[ ١ / ٢٩٤ ]
المذكورة وأمثالها لا يليق بالله؛ لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان، وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث. ولم تكتف بذلك حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها. إن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى وعلى كتابه العظيم، وإنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين. وقد جرك شؤم هذا التشبيه إلى ورطة التعطيل؛ فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف. وماذا عليك لو صدقت وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل. وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟ وهل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق على أحد حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق"١.
وبعد هذا الرد من الشيخ -﵀- على المؤولة، والذي أبان فيه زيف دعاويهم، وأنها لا حظ لها من كلام الله ولا رسوله ولا إجماع المسلمين، ولا يدل عليها عقل ولا سمع: نراه -﵀- يحذّر المؤولة ويخوفهم بالله أن يتجرؤوا على تحريف وصف الله لنفسه، مبينًا لهم أن كيفية صفات الرب جل وعلا لايحيط بها أحد ولا يستطيع مخلوق معرفة كنهها، فهي ثابتة لله جل وعلا كما يليق بجلاله؛ فيقول -﵀-: "فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقوّل على الله بغير علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٤٥-٤٤٦.
[ ١ / ٢٩٥ ]
يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك؛ فاليد مثلًا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة، وأنا انفيها باتًا وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلًا، "أو الجود" ١.
وهكذا نلاحظ القوة التي يمتاز بها الشيخ -﵀- في إيضاح الحق ودمغ الباطل، ففيها من الغيرة على الحق ومحاربة الباطل مايجعلها قارعة على رؤوس المعطلين.
إشكال، وتوضيحه:
أورد الشيخ الأمين -﵀- قضية قد تشكل على بعض الناس. ومضمونها: أن القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع السلف دل على أن الله متصف بأن له يدين –بالتثنية-. وكذلك أجمعوا على أن الله لايوصف بصفة الأيدي –بالجمع-. مع أن الله وصف نفسه بذلك، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٢.
فلماذا أجمع السلف على تقديم آية ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٣ على آية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؟ ٤.
وقد أجاب الشيخ -﵀- عن هذا السؤال: أنه لا تعارض ولا إشكال بين الآيتين، وأن صيغ الجموع لها معنيان. وقد بين -﵀- هذه المعاني
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٤٦. ٢ سورة يس، الآية [٧١] . وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذا المعنى «في الرسالة المدنية ص٤٩» . ٣ سورة ص، الآية [٧٥] . ٤ انظر: أضواء البيان ٧/٤٦٣.
[ ١ / ٢٩٦ ]
مدللا عليها بآيات من القرآن الكريم؛ فقال "الجواب: أن لا خلاف بين أهل اللسان العربي، ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين؛ أحدهما: إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلًا؛ لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم إنما يراد بها واحد. الثاني: أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف. وإذا علمت ذلك فاعلم أن القرآن العظيم يكثر فيه جدًا إطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع؛ يريد بذلك تعظيم نفسه، ولايريد بذلك تعددًا، ولا أن معه غيره ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١؛ فصيغة الجمع في قوله: ﴿إنا﴾ وفي قوله: ﴿نحن﴾، وفي قوله: ﴿نزلنا﴾، وقوله: ﴿حافظون﴾ لايراد بها أن معه منزلًا للذكر وحافظًا له غيره تعالى، بل هو وحده المنزل له والحافظ له. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤، ونحو هذا كثير في القرآن جدًا، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله: ﴿إنا﴾، وفي قوله: ﴿خلقنا﴾، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥ إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلًا.
وإذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٦؛ لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية [٩] ٢ سورة الواقعة، الآية [٥٨-٥٩] . ٣ سورة الواقعة، الآية [٦٩] . ٤ سورة الواقعة، الآية [٧٢] . ٥ سورة يس، الآية [٧١] . ٦ سورة ص، الآية [٧٥] .
[ ١ / ٢٩٧ ]
قوله: ﴿أيدينا﴾ لمجرد التعظيم. وما كان كذلك لا يدل على التعدد، فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حكم به. فقوله مثلًا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد. وكذلك قوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤؛ فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشئ واحد. وأما قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فقد دل البرهان القطعي على أن الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ كما تقدم إيضاحه قريبًا. وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾، وقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥، لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط"٦.
وهذا الجواب من الشيخ -﵀- مقنع لمن أراد الحق ومعرفة معتقد السلف؛ فهو مقنع لطالب الحق غاية الإقناع بما اشتمل عليه من تقرير علمي رصين.
وقد نبه الشيخ الأمين -﵀- إلى أن قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ٧أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وأن ﴿أيد﴾ لا يراد منها صفة اليد، وإنما هي بمعنى القوة؛ فقال -
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية [٩] . ٢ سورة الواقعة، الآية [٥٩] . ٣ سورة الواقعة، الآية [٦٩] . ٤ سورة الواقعة، الآية [٧٢] . ٥ سورة يس، الآية [٧١] . ٦ أضواء البيان ٧/٤٦٣- ٤٦٥. وانظر كلام أبي الحسن في الإبانة (ص١٠٤)، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة التدمرية (ص٧٥) عن هذا الإشكال. ٧ سورة الذاريات، الآية [٤٧] .
[ ١ / ٢٩٨ ]
﵀-: "قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بنيناها بأيد﴾ ليست من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم، لأن قوله: "بأيد" ليس جمع يد، وإنما الأيد: القوة، فوزن قوله هنا: ﴿بأيد﴾ فعل، ووزن الأيدي: أفعل؛ فالهمزة في قوله: "بأيد" في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: ﴿بأيد﴾ جمع يد، لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة –لكونه منقوصًا- هي اللام. والأيد والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد: قوي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ١؛ أي قويناه. فمن ظن أنه جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطًا فاحشًا، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة"٢.
[٤] صفة المعية:
تطرق الشيخ الأمين -﵀- لهذه الصفة من عدة جوانب:
أحدها: أقسامها. وثانيها: الجمع بينها وبين استواء الله على عرشه. وثالثها: الردّ على الجهمية القائلين إنّ الله معنا بذاته.
أولًا: تقسيم المعية: أوضح الشيخ الأمين -﵀- أنّ المعية تنقسم إلى قسمين؛ خاصة وعامة؛ فقال -﵀-: "إنّ لله معية خاصة ومعية عامة. فالمعية الخاصة بالنصر والتوفيق والإعانة، وهذه لخصوص المتقين المحسنين؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية٣، وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ الآية٤، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٨٧] . ٢ أضواء البيان ٧/٦٦٩ وانظر كلام أبي الحسن الأشعري (في الإبانة ص١٠٠- ١٠١) عن هذه المسألة. ٣ سورة النحل، الآية [١٢٨] . ٤ سورة الأنفال، الآية [١٢] .
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَأَرَى﴾ ١، وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٢. ومعيّة عامة بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء. فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى"٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وأما المعية العامة لجميع الخلق: فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا" ٤.
ثانيًا: الجمع بين معيته سبحانه، واستوائه على عرشه جل وعلا.
لاشك أنّ من كان عالما بأحوال عباده، مطلعا عليهم، ومهيمنا عليهم، يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر جميع أمورهم: أنه معهم حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة؛ لأنّ المعية لا تستلزم الاجتماع في مكان٥. ومعيته لا تشبه معية مخلوق لمخلوق، بل هي معية على ما يليق بجلاله.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى هذا المعنى؛ فقال: "إنه تعالى مستو على عرشه كما قال بلا كيف ولا تشبيه، استواء لائقًا بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام، ونفوذ القدرة ﷾ علوًا كبيرًا. فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق؛ ألا ترى –ولله المثل الأعلى- أنّ أحدنا لو جعل في يده حبة خردل أنه ليس داخلا في شيء من أجزاء تلك الحبة مع انه محيط بجميع أجزائها ومع جميع أجزائها. والسموات والأرض ومن فيهما في يده تعالى اصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى ﷾ علوًا كبيرًا. فهو أقرب إلى الواحد
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [٤٦] . ٢ سورة التوبة، الآية [٤٠] . ٣ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٧٦- ١٧٧-. ٤ المصدر نفسه ٣/٣٩٠. وانظر كلام شيخ الإسلام في الفتاوى ١١/٢٤٩. وكلام الإمام ابن كثير في تفسيره ٤/٣٢٢. ٥ من القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين ص٥٩- بتصرف.
[ ١ / ٣٠٠ ]
منا من عنق راحلته١، بل من حبل وريده٢، مع أنه مستو على عرشه، لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا"٣.
ثالثًا: الردّ على الجهمية القائلين إنّ الله معنا بذاته:
يرى الجهمية أنّ الله في كلّ مكان، وأنه معنا بذاته٤. وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ردّ عليهم الشيخ الأمين -﵀- مبيّنا لهم أنّ هذا الفهم لهذه الآية غير صحيح؛ فالله سبحانه هو الذي أحاط بمخلوقاته، ولا تحيط به جل وعلا، فهو أكبر من كلّ شيء؛ فقال -﵀-: "اعلم أنّ ما يزعمه الجهمية من أنّ الله تعالى في كلّ مكان مستدلين بهذه الآية٧ على أنه في الأرض: ضلال مبين، وجهل بالله تعالى؛ لأنّ جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحلّ في شيء منها ربّ السموات والأرض الذي هو أعظم من كلّ شيء، وأعلى من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء ولا يحيط به
_________________
(١) ١ يشير -﵀- إلى قوله ﷺ: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» . (أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٧٧) . ٢ يشير -﵀- إلى قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ . (سورة ق، الآية [١٦]) . ٣ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٨٥-. وانظر: أضواء البيان ٣/٣٩٠. ولشيخ الإسلام -﵀-، والحافظ ابن القيم -﵀- كلام حول هذا المعنى. (انظر: الفتاوى ٥/١٠٣. ومختصر الصواعق ص٤١٩-٤٩٢) . ٤ انظر الرد على الجهمية للإمام الدارمي ص١٨. ٥ سورة الحديد، الآية [٤] . ٦ سورة الأنعام، الآية [٣] . ٧ يقصد قوله تعالى: ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾ . (سورة الأنعام، الآية [٣]) .
[ ١ / ٣٠١ ]
شيء، فالسموات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا –وله المثل الأعلى-، فلو كانت حبة خردل في يد رجل، فهل يمكن أن يقال: إنه حالّ فيها، أو في كلّ جزء من أجزائها؟ لا، وكلا هي أصغر وأحقر من ذلك. فإذا علمت ذلك: اعلم أنّ ربّ السموات والأرض أكبر من كلّ شيء، وأعظم من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء. ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١ ﷾ علوًا كبيرًا، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٢"٣.
وبهذا يتضح لنا بطلان هذا القول القبيح الذي هو حلول صرف؛ إذ يلزم منه أنّ الله تعالى حالّ في كلّ مكان، ليس في مكان دون آخر، ويلزم منه أن تكون الأماكن القذرة، وأجواف الخنازير محلًا لله سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون علوًا كبيرًا.
[٥] صفة العلم:
العلم من صفات الله الذاتية، فهي لا تنفك عنه جلّ وعلا. وعلمه ﷾ محيط بكلّ شيء أزَلًا وأبدًا. وهو أحد مراتب القدر الأربعة؛ فقد علم الله ﷾ جميع ما هو كائن، ولم يطلع على غيبه أحدًا من خلقه، إلا ما أطلع عليه رسله تأييدًا لهم في دعوتهم الناس إلى الإيمان به جل وعلا.
_________________
(١) ١ سورة سبأ، الآية [٣] . ٢ سورة طه، الآية [١١٠] . ٣ أضواء البيان ٢/١٨٢-١٨٣. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حول هذا المعنى في الفتاوى (٥/٢٣٠) .
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذه الصفة العظيمة فقال: "علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كلّ خلقه. وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به"١.
وقال -﵀- في موضع آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٢: "بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقصّ على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائبًا عما فعلوه أيام فعلهم له في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط علمه بكلّ ما فعلوه من صغير وكبير، وجليل وحقير.
وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٥"٦.
_________________
(١) ١ معارج الصعود ص١٠٣. ٢ سورة الأعراف، الآية [٧] . ٣ سورة المجادلة، الآية [٧] . ٤ سورة الحديد، الآية [٤] . ٥ سورة يونس، الآية [٦١] . ٦ أضواء البيان ٢/٢٩١. وانظر: المصدر نفسه ٢/٣٠٣، ٣٠٨. ومنهج ودراسات ص١٥-١٦. ورحلة الحج ص٧٦. ومعارج الصعود ص٤٥، ٤٧، ٦٧، ١٠٠. وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن صفة العلم في الفتاوى ٦/٣٤٠.
[ ١ / ٣٠٣ ]
[٦] صفات العلوّ والعظمة والكبرياء:
ذكر الشيخ الأمين -﵀- صفتي العلوّ والعظمة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١؛ فقال -﵀-: "وصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة بالعلوّ والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدمنا في سورة الأعراف٢ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين لكلّ كمال وجلال، جاء مثله في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الآية٦، إلى غير ذلك من الآيات٧.
وذكر -﵀- صفة الكبرياء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٨؛ فقال -﵀-: " ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ له الكبرياء في السموات والأرض؛ يعني أنه المختص بالعظمة والكمال والجلال والسلطان في السموات والأرض؛ لأنه هو معبود أهل السموات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه وتمجيده والخضوع والذلّ له"٩.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [٤] . ٢ انظر: أضواء البيان ٢/٣١٣. ٣ سورة البقرة، الآية [٢٥٥] . ٤ سورة النساء، الآية [٣٤] . ٥ سورة الرعد، الآية [٩] . ٦ سورة الجاثية، الآية [٣٧] . ٧ أضواء البيان ٧/١٥٠- ١٥١. وانظر المصدر نفسه ٢/٣١٣- ٣١٤. ٨ سورة الجاثية، الآية [٣٧] . ٩ أضواء البيان ٧/٣٦١. وانظر: رحلة الحج ص٧٨. ومنهج ودراسات ص٢٣.
[ ١ / ٣٠٤ ]
ثمّ ذكر -﵀- أنّ ما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر؛ فذكر عدة آيات في القرآن الكريم، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١؛ فقال -﵀-: "معناه أنّ له الوصف الأكمل الذي هو أعظم الأوصاف وأكملها وأجلها في السموات والأرض. وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ: "إنّ الله يقول: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري" ٢"٣.
[٧] صفة القدرة:
صفة القدرة من الصفات الذايتة. وقد ذكرها الشيخ -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤، قال: "أي قادر. وهذه الصفة التي هي صفة القدرة: هي التي يوجد الله جل وعلا بها الممكنات. وهو تعالى قادر على ما يشاء، وما لم يشأ؛ مثال ذلك: انه تعالى شاء إيمان أبي بكر وهدايته، وقد هداه للإيمان، ولم يشأ إيمان أبي جهل، وهو قادر عليه، ولم تتعلق به مشيئته، فلم يوجده. وكلّ صفات الله ﷿ من الكمال؛ بحيث لو تصور شيء من المبالغة في الصفة فهي فوق ذلك"٥.
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية [٢٧] . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٢٣) بلفظ مقارب عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله ﷺ: «العزة إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته» . وأخرجه أبو داود (في سننه ٤/٣٥٠-٣٥١) عن أبي هريرة بنحو اللفظ الذي أورده الشيخ، وفيه: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» . وكذا أخرجه ابن ماجه (في السنن ٢/١٣٩٧) بلفظ أبي داود إلا أنّ فيه: «ألقيته في جهنم» بدل «قذفته في النار» . ٣ أضواء البيان ٧/٢٦١. وانظر: المصدر نفسه ٥/١٣٦. وإبطال التأويلات ١/٢٣٢. والفتاوى ١٠/٢٥٣-٢٥٤. ٤ سورة هود، الآية [٤] . ٥ معارج الصعود ص٤٤. وانظر: أضواء البيان ٢/٣٠٧. ورحلة الحج ص٧٦. وآداب البحث ٢/١٣٢. ومنهج ودراسات ص١٣. وانظر أيضًا: الفتاوى ٦/١٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
[٨] صفتا السمع والبصر:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ١: أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر ذكره أيضًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤، والآيات بذلك كثيرة جدًا"٥.
[٩] صفتا الحياة والقومية:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ٦: "الحيّ: المتصف بالحياة، الذي لا يموت أبدًا. والقيوم: صيغة مبالغة؛ لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شئون جميع الخلق، وهو القائم على كلّ نفس بما كسبت. وقيل: القيوم: الدائم الذي لا يزول" ٧.
وصفة القيومية صفة ذاتية باعتبار، وفعلية باعتبار؛ فالله ﷾ قائم بنفسه، ومقيم لغيره جل وعلا. وهذه الصفة تشبه صفة الكلام من
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٢٦] . ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ سورة المجادلة، الآية [١] . ٤ سورة الحج، الآية [٧٥] . ٥ أضواء البيان ٤/٨١. وانظر: المصدر نفسه ٢/٣٠٨. ورحلة الحج ص٧٦. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٢. ومنهج ودراسات ص١٤. وانظر أيضًا: كتاب التوحيد لابن خزيمة ١/١٠٦. ٦ سورة طه، الآية [١١١] . ٧ أضواء البيان ٤/٥١٨. وانظر كلام الشيخ الأمين -﵀- عن صفة الحياة في: أضواء البيان ٢/٣٠٨. ورحلة الحج ص٧٦. وآداب البحث ٢/١٣٢. ومنهج ودراسات ص١٤. وقد تكلم على صفة الحياة من السلف، فقال نحوا من كلام الشيخ الأمين، كلّ من شيخ الإسلام ابن تيمية (في الفتاوى ٦/٦٨)، وابن أبي العز (في شرح الطحاوية ص١٢٤)، وغيرهما.
[ ١ / ٣٠٦ ]
حيث كونها صفة ذاتية فعلية؛ إذ إنّ صفة الكلام صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وفعلية باعتبار أفراد الكلام.
[١٠] صفة الوجه:
قال -﵀-: "والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه. فعلينا أن نصدق ربنا، ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التامّ عن مشابهة صفات الخلق" ١.
[١١] صفة العين:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿بأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ٢: "العين صفة لله تعالى لائقة بجلاله، لا يشبه صفة المخلوقين.
وإنما جمعت هنا لمناسبة إضافتها إلى الضمير المجموع للتعظيم" ٣.
[١٢] صفة القدم:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٤: "وثبت في بعض الأحاديث أنّ النار لا يزال الله يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد. فيضع ربّ العزة قدمه عليها فتقول: قط قط٥. وهذه صفة لله تعالى لائقة بجلاله تثبت كغيرها على أساس التنزيه"٦.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٠. وانظر المصدر نفسه ٢/٣٣٢، ٤/١٩٩، ٦/٤٥٧. وكلام الشيخ هذا يشبه كلام من سبقه من السلف عن هذه الصفة الكريمة. (انظر مثلًا: التوحيد لابن خزيمة ١/٢٤-٢٥. والفتاوى ٦/٦٨. ومختصر الصواعق ص٤١٧) . ٢ سورة هود، الآية [٣٧] . ٣ معارج الصعود ص١١٣. وللسلف ﵏ كلام حول هذه الصفة الكريمة يشبه ما أورده الشيخ الأمين -﵀-. (انظر مثلًا: التوحيد لابن خزيمة ١/٩٦-٩٧. والفتاوى ٦/٦٨) . ٤ سورة هود، الآية [١١٩] . ٥ يشير -﵀- إلى الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (٦/٤٧)، ومسلم في صحيحه (٤/٢١٨٦-٢١٨٧) . ٦ معارج الصعود ص٣٠٤. وممن تكلم من السلف على هذه الصفة بكلام يشبه كلام الشيخ الأمين: القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات (١/١٩٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٦/٦٨)، وغيرهما.
[ ١ / ٣٠٧ ]
[١٣] صفة الغضب:
قال -﵀-: "اعلم أنّ الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت؛ فنصدق ربنا في كلّ ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك مع تنزيهنا التامّ له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا" ١.
فهي إذًا صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لا يشبه غضبه غضب خلقه، كما أنّ صفاته كلها لا تشبه صفات خلقه؛ إذ الصفات تتبع المتصف بها، كما سبق أن قرر الشيخ الأمين -﵀- ذلك.
[١٤] صفة الرحمة:
وفي بيان هذه الصفة يقول -﵀-: "الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم: وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢؛ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا، ولا شك أنّ رحمة الله تخالف رحمة خلقه؛ كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم وصفاتهم٣.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٤٨٨. وانظر المصدر نفسه ٢/٣١٦. وللسلف ﵏ كلام حول هذه الصفة يطابق ما أورده الشيخ الأمين -﵀-. (انظر مثلًا: التدمرية ص٤٦. وسير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٦) . ٢ سورة المؤمنون، الآية [١٠٩] . ٣ أضواء البيان ٥/٨٣٤. وانظر المصدر نفسه ١/١٠١، ٢/٣١٥. ورحلة الحج ص٧٩. ومنهج ودراسات ص٢٦. ومعارج الصعود ص٣٠، ٥٠، ١٢٠، ١٨٢، ٢١٩. وانظر أيضًا الفتاوى ٦/١٨.
[ ١ / ٣٠٨ ]
[١٥] صفة المجيء:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١: "ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمرّ كما جاء، ويؤمن بها، ويعتقد أنها حقّ، وأنه لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علمًا، "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما"٢"٣.
[١٦] صفة العجب:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ٤: "هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى، فهي إذًا من آيات الصفات على هذه القراءة"٥.
[١٧] صفة النور:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ٦: وصف الله بأنه نور. ومن أسمائه تعالى: النور. ومما يدلّ على وصفه به قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ٧"٨.
وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- بعض الصفات بإيجاز، وبيّن أنها ثابتة
_________________
(١) ١ سورة الفجر، الآية [٢٢] . ٢ سورة طه، الآية [١١٠] . ٣ أضواء البيان ٢/٢٨٤. ٤ سورة الصافات، الآية [١٢] . ٥ أضواء البيان ٦/٦٨٠. ولأبي يعلى كلام قريب من هذا الكلام. (انظر: إبطال التأويلات ١/٢٤٥) . ٦ سورة النور، الآية [٣٥] . ٧ سورة الزمر، الآية [٦٩] . ٨ تفسير سورة النور ص١٣٨. جمعه الدكتور عبد الله قادري.
[ ١ / ٣٠٩ ]
لله ﷾ على ما يليق بجلاله؛ مثل صفة الإرادة١، وصفة الرضا٢، وغيرهما.
وقد سرد الشيخ -﵀- بعض الصفات، فقال: فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد؛ فما وصف الله به نفسه منها: فهو حقّ، وهو لائق بكماله وجلاله، لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلقو منها: فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"٣.
وبهذا يتضح لنا من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين -﵀- مفصلة، ومن الأخرى التي سردها سردًا أنّ منهجه -﵀- هو منهج السلف؛ لا يتجاوزون الكتاب والسنة؛ فما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد ﷺ أثبتوه لله على ما يليق بجلاله وكماله. وما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله محمد ﷺ نفوه عن الله جل وعلا. وهم في إثبات الصفات ينزهون الله ﵎ عن مشابهة المخلوقين تنزيها لا يصل إلى التعطيل، بل يتقيّدون بقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
وبما أوردته من كلام الشيخ الأمين -﵀- حول الصفات يتضح لنا أنه -﵀- سلفي العقيدة والمنهج؛ فعلى منهج السلف في الإثبات سار، وبما قالوا به قال ﵀ رحمة واسعة وأجزل له المثوبة.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٠٧. ٢ المصدر نفسه ٢/٣١٦. ٣ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٣-٤٤. وانظر كلام الحافظ ابن القيم -﵀-: في مختصر الصواعق المرسلة (١/٣٦٥) . ٤ سورة الشورى، الآية [١١] .
[ ١ / ٣١٠ ]