من أعظم الأمور خطرا على عقيدة المسلم: هذه الفتنة التي انتشرت في الكثير من بلاد المسلمين؛ ألا وهي فتنة البناء على القبور، ورفع القباب الفخمة، والمباني الكبيرة عليها، وإنفاق الأموال الطائلة على زخرفتها وتزويقها. فإذا رآها الجاهل عظمها في قلبه، ودخلت عليه المهابة من صاحب القبر. فصار ذلك وسيلة للوقوع في الشرك؛ إذ قد يزين له الشيطان أن يطلب من صاحب القبر الذي اعتقد أنه عظيم من العظماء ززقعت في قلبه مهابته ما لا يقدر عليه إلا الله فيقع في الشرك الذي حذرنا منه رسولنا الكريم ﷺ.
وسدًا لهذه الذريعة نهى رسول الله ﷺ عن إقامة الأبنية على القبور، ولعن من يفعل ذلك؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ١.
ولا شك أنّ البناء على القبور محادة لله ورسوله. ورغم أنه كذلك فقد صار في بعض بلدان المسلمين دينًا يتقرب به إلى الله؛ وذلك بسبب جهل الناس، وقلة من ينكر عليهم ذلك.
وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- أن بعض من يفعل ذلك زعم أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ المساجد على القبور، وذكر -﵀- أن عمدتهم في
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٢/١٣٦، وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ١، وما ثبت في الصحيح من أنّ موضع مسجد النبي ﷺ كان فيه قبورًا للمشركين٢.
وقد عقب -﵀- على هذا الاستدلال الذي به جوزوا البناء على القبور بوصفه إياه بأنه: "في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله" ٣.
وقد تبنى -﵀- رد الإمام الطبري -﵀- على من استدل بهذه الآية، وهذا الحديث على جواز البناء على القبور بقوله: "وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم مانصه: وقد اختلف في قائلي هذه المقالة٤: أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار، فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة؛ إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري. وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدلّ له ذكر المسجد؛ لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية أنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ إلا من طمس الله بصيرته؛ فقابل قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ٥ بقوله ﷺ في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " الحديث٦. يظهر لك أنّ من اتبع هؤلاء القوم في
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٢١] . ٢ سياتي تخريجه عند الردّ على استدلالهم به بعد صفحتين. ٣ أضواء البيان ٣/١٧٦. ٤ يقصد: الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا –كما حكى الله عنهم ذلك-. ٥ سورة الكهف، الآية [٢١] . ٦ أخرجه مسلم ١/٣٧٦، من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٢٢٩ ]
اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق ﷺ كما هو واضح. ومن كان ملعونًا على لسانه ﷺ فهو ملعون في كتاب الله، كما صحّ عن ابن مسعود ﵁؛ لأنّ الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ "٢.
وبذلك يتضح أنّ هذه الآية لا تدل على جواز البناء على القبور كما زعم بعضهم.
وقد قال العلامة الألوسي٣ -﵀-: "وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة، مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وهذا واضح؛ إذ لو كان شرعًا لمن قبلنا لما لعن رسول الله ﷺ فاعله من الأمم الماضية، فدلّ على أنه من الأمور المحرمة عند جميع الأمم؛ لأنه من وسائل الشرك. وكما هو معروف فإن الأنبياء جميعهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويسدون الذرائع الموصلة إلى عبادة غيره جل وعلا.
أما استدلالهم بأنه كان في موضع مسجد الرسول ﷺ قبور للمشركين؛ فقد نقل الشيخ الأمين -﵀- ردّ الإمام الطبري على هؤلاء فقال -﵀-: "وأما استدلالهم بأن مسجد النبي ﷺ بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين: فسقوطه ظاهر؛ لأنّ النبي ﷺ أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها؛ ففي الصحيحين من
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية [٧] . ٢ نقلًا عن أضواء البيان ٣/١٧٧؛ فإني لم أعثر عليه في تفسير الطبري. ٣ شهاب الدين أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسني الألوسي. ولد في بغداد سنة (١٢١٧؟) . وتوفي سنة (١٢٧٠؟) . من تصانيفه: روح المعاني، (انظر: الأعلام ٧/١٧٦-١٧٧. والتفسير والمفسرون ١/٣٥٢) . ٤ روح المعاني ١٥/٢٣٩.
[ ١ / ٢٣٠ ]
حديث أنس ﵁: "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل. فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة " الحديث. هذا لفظ البخاري١، ولفظ مسلم قريب منه بمعناه٢. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر ﷺ بنبشها وإزالة ما فيها، فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلًا؛ لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى" ٣.
ولذلك لايوجد –ولله الحمد- أدلة يتمسك بها من أجاز البناء على القبور؛ لأنّ مبدأ عبادة الأوثان أصلها من الفتنة بالمقبورين. لذلك نهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وحذر أمته من ذلك. وكلّ ذلك من نصحه ﵊ لأمته، ومن حرصه على حماية جناب التوحيد؛ فالفتنة بالمقبورين من الوسائل الموصلة إلى عبادتها من دون الله جل وعلا، وهذا ما يريده الشيطان من المؤمنين؛ يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا.
وقد بيّن الشيخ الأمين -﵀- حرمة البناء على القبور فقال: "والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها؛ لما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي٤ أن عليًا ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؛ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" ٥، ولما ثبت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ١/١١١. ٢ انظر: صحيح مسلم ١/٣٧٣. ٣ نقلًا عن أضواء البيان ٣/١٧٧. ٤ هو حيان بن حصين الكوفي، روى عن علي، وعمار، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: تابعي ثقة. (انظر: تهذيب التهذيب ٣/٦٧) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٦.
[ ١ / ٢٣١ ]
في صحيح مسلم وغيره أيضًا عن جابر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" ١. فهذا النهي ثابت عنه ﷺ، وقد قال: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " ٢ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣"٤.
وهذه النصوص الشرعية التي ذكرها الشيخ -﵀- أدلة قاطعة على تحريم هذا العمل، حتى تبقى دعوة التوحيد خالصة لله لا يشوبها إشراك؛ لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا. ودليل على الحذر من جنس أعمالهم حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابتلى به كثير من هذه الأمة من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء. وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة" ٥.
ولذلك نرى الشيخ الأمين -﵀- يؤكد أن عقيدة هذه الأمة المحمدية هي تحريم البناء على القبور، وقد أيد كلامه بالنصوص الصريحة في النهي عن البناء على القبور، وفي الأمر بهدم ما بني منها وتسويته بالأرض سدًا لذريعة الشرك. وحماية لجناب التوحيد.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٧. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٤٢. ٣ سورة الحشر، الآية [٧] . ٤ أضواء البيان ٣/١٧٧- ١٧٨. ٥ اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٩٥.
[ ١ / ٢٣٢ ]