الإيمان بالله تعالى هو الركن الأول من أركان الإيمان الستة.
لذا فإن معرفته وتحقيقه غاية كلّ مسلم، ومنتهى كلّ طالب للحقّ، لأنّ شرف العلم من شرف المعلوم.
فمعرفة الله وعبادته أشرف المطالب، وأعلى المقاصد، وبإخلاص العبادة وصوابها يكون العبد من أولياء الله تعالى ومن أهل دار كرامته، وممن تناله رحمته وهداه. ومن قصر في هذا الجانب العظيم كان ممن عرض نفسه لسخط الله تعالى ومقته، وحرمها من فضله وكرمه.
والله ﷾ لما خلق الخلق لم يتركهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب، وأرسل الرسل يبلغونهم أوامر ربهم، ويدلونهم على طريق الرشاد.
وقد دلّ الله على نفسه، وعرّف خلقه بأسمائه وصفاته ووحدانيته وإلهيته، وأنه المتفرد بالعبودية كما أنه المتفرد بالربوبية.
ودعوة الرسول الكريم ﷺ جاءت لتقرير هذه العقيدة وترسيخها في قلوب العباد، وأن يعملوا على تطبيقها والتمسك بها.
والقرآن الكريم من أوله إلى آخره متضمن لعقيدة التوحيد؛ إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله: فهو التوحيد العلمي الخبري.
[ ١ / ٩١ ]
وإما دعوة إلى عبادته وحده لاشريك له، وخلع كلّ مايعبد من دونه: فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره: فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن كرامته لأهل توحيده وطاعته، ومافعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده.
وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في العقبى من العذاب: فهو خبر عمّن خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه١.
والإيمان بالله تعالى لايخرج عن ثلاثة أنواع:
الأول: توحيد الربوبية: وهو الإقرار بأن الله هو الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
الثاني: توحيد الألوهية: وهو الإقرار بأن الله هو الإله المستحق للعبادة وحده، وكلّ معبود سواه باطلٌ.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تكييف.
وقد قرر الشيخ الأمين -﵀- الذي أفرد هذا البحث لبيان جهوده في تقرير عقيدة السلف-هذا التقسيم؛ حيث قال:
_________________
(١) ١ بتصرف من كلام ابن القيم في مدارج السالكين ٣/٤٥٠.
[ ١ / ٩٢ ]
"دل استقراء القرآن العظيم على أنّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته؛ وهذا النوع جبلت عليه فطر العقلاء.
الثاني: توحيده جلّ وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو: تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، وهي متركبة من نفي وإثبات.
الثالث: توحيده جلّ وعلا في أسمائه وصفاته١.
وهذا التقسيم ليس بدعًا من الشيخ -﵀-، بل له في ذلك سلف؛ فقد ذكره قبله بآماد طويلة أئمة أجلاء في كتبهم؛ من أمثال الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة٢ -﵀- في كتابه التوحيد؛ فقد ابتدأه -﵀- بوحدانية الله تعالى في ربوبيته مستدلًا بذلك على توحيده تعالى في العبادة، ثم ثنى بتوحيد الألوهية؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ثلّث بتوحيد أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا٣.
وممّن أورد هذا التقسيم، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية٤،
وابن
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٤١٠، ٤١١. وانظر: المعين والزاد ٦٤، ٦٥. ٢ الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، أبو عبد الله. محدث الإسلام. كان من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثًا وشيوخًا، ولد سنة (٣١٠،أو ٣١١؟) بأصبهان، وتوفي سنة (٣٩٥؟) . (انظر: طبقات الحنابلة ٢/١٦٧. وسير أعلام النبلاء١١/٧-١٠. والبداية والنهاية١١/٣٣٦) . ٣ انظر مقدمة تحقيق كتاب التوحيد لابن منده، لفضيلة الدكتور علي ناصر الفقيهي ص٣٣. ٤ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني. ولد -﵀- بحران سنة (٦٦١؟)، وتوفي في سجن القلعة بدمشق سنة (٧٢٨؟) . (انظر: تذكرة الحفاظ٤/١٤٩٦. والبداية والنهاية ١٤/١٣٢ وقد أورد هذا التقسيم في العقيدة التدمرية ص٤-٥.
[ ١ / ٩٣ ]
قيم الجوزية١، وابن أبي العزّ الحنفي٢، والمقريزي٣.
فتقسيم الشيخ الأمين -﵀- مطابق لدلالة القرآن على التوحيد٤ كما فهمه السلف ﵏.
وإن كان بعضهم قد جعله قسمين؛ فضم توحيد الربوبية والأسماء والصفات في قسم، وسماه التوحيد العلمي، وجعل توحيد الألوهية قسمًا مستقلًا، وسماه التوحيد العملي٥.
_________________
(١) ١ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية الزرعي الدمشقي. ولد بدمشق سنة (٦٩١؟)، وتوفي بها سنة (٧٥١؟) . وقد لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وسجن معه في القلعة. (انظر: البداية والنهاية ١٤/٢٤٦. وشذرات الذهب ٦/١٦٨) . وأورد هذا التقسيم في كتابه مدارج السالكين ١/٢٤-٢٥. ٢ صدر الدين محمد بن علاء الدين؛ علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الصالحي. ولد سنة (٧٣١؟)، وولي قضاء دمشق ومصر وتوفي -﵀- بدمشق سنة (٧٩٢؟) . (انظر: شذرات الذهب٦/٣٢٦) .وقدأوردهذا التقسيم في شرحه للعقيدة الطحاوية ص٨٨. ٣ تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن تميم المقريزي الحنفي. الإمام المؤرخ. نشأ بالقاهرة وتوفي بها سنة ٨٤٥؟. (انظر: الضوء اللامع ٢/٢١) . وأورد هذا التقسيم في كتابه تجريد التوحيد ص٤-٥. ٤ قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:"هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده، وابن جرير الطبري، وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وقرره الزبيدي (في تاج العروس)، وشيخنا الشنقيطي (في أضواء البيان)، وآخرون، رحم الله الجميع، وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن؛ كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى (اسم وفعل وحرف) . والعرب لم تفُه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب. وهكذا في أنواع الاستقراء". (التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير ص٣٠) . وقد أورد الطبري ﵀ هذا التقسيم في تفسيره (١١/٦٠)، وأورده الزبيدي في تاج العروس (٢/٥٢٨) .وممن قال به: صديق حسن خان في كتابه الدين الخالص (١/٥٦) . ٥ انظر: مدارج السالكين ١/٢٥.
[ ١ / ٩٤ ]
وهذا التقسيم قد احتوى على المراد، ولايتعارض مع تقسيم من جعله ثلاثة أقسام، أو أربعة١: فهي بمعنى واحد، ولأن الكل قرروا أن توحيد الألوهية هو معنى "لا إله إلا الله"، وقالوا بأن تحقيقه يمنع من دخول النار.
وبذلك نستنتج أنّ الشيخ -﵀- لم يرتض تقسيم المتكلمين٢: لأنهم يخالفون دلالة القرآن على التوحيد، وغاية مايصلون إليه: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون.
وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية٣﵀-، وبين عدم جدوى هذا التقسيم الذي لايفرق بين مؤمن ومشرك.
ومن المناسب هنا أن أذكر ماأخبرنيه الدكتور عبد الله بن الشيخ الأمين -﵀- أنّ والده كان يقول له: "ياولدي اعلم أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام، وأن هذه القسمة استقرائية والاستقراء: هو تتبع النصوص؛ كما أن النحو علم بالاستقراء بتتبع لغة العرب؛ إما اسم أو فعل أو حرف، فكذلك علمنا أقسام التوحيد من تتبع القرآن؛ فالله تعالى قسم التوحيد ثلاثة أقسام في سورة الفاتحة؛ فقال "الحمدلله" والله هو المعبود بحق، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والرب هو الذي يربي الأشياء، وهذا توحيد الربوبية. ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهذا توحيد الأسماء والصفات. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ دل على توحيد الألوهية. وتوحيد الألوهية أن تكون جميع أعمالك خالصة لله؛ من صلاة وصيام وزكاة ونذر وخوف ورجاء وغير ذلك مما لا يجوز صرفه إلا لله. وتوحيد الربوبية: مايكون في
_________________
(١) ١ انظر مقدمة تحقيق كتاب التوحيد لابن منده ١/٣٣. ٢ انظر الملل والنحل للشهرستاني١/٤٢.فقد جعل التوحيد عندهم ثلاثة أقسام: واحد في ذاته لاقسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لانظير له، وواحد في أفعاله لاشريك له. ٣ كما في التدمرية ص١٧٩-١٨٤.
[ ١ / ٩٥ ]
الكون فهو صادر عن الله تعالى. وتوحيد الألوهية شكر على توحيد الربوبية؛ لأن الله ربك فتشكره بأن تكون أعمالك خالصة له ولاتشارك غيره بها. أما توحيد الأسماء والصفات فهو مبنيّ على ثلاثة أسس: الأول: تصديق الله فيما قال. والثاني: تنزيه الله عن مشابهة خلقه. الثالث: قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
[ ١ / ٩٦ ]